حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه

( باب من أمر خادمه بالصدقة ، ولم يناول بنفسه ) أي هذا باب في بيان حال من أمر خادمه بالصدقة يعني : أمره بأن يتصدق عنه ، ولم يناول الصدقة للفقير بنفسه ، والخادم الذي يخدم غيره أعم من أن يكون مملوكا أو أجيرا أو متبرعا بالخدمة ، قيل : فائدة قوله : ولم يناول بنفسه ، التنبيه على أن ذلك مما يغتفر ، وأن قوله في الباب الذي قبله الصدقة باليمين ، لا يلزم منه المنع من إعطائها بالغير ، وإن كانت المباشرة بنفسه أولى ، انتهى . ( قلت ) : فائدة قوله ولم يناول بنفسه التأكيد في عدم المناولة بنفسه والتصريح به ؛ لأنه يجوز أن يأمر خادمه بالصدقة ، ثم ناول بنفسه قبل أن يباشر الخادم أو يأمره بها ، ثم ينهاه عنها ، وأما قوله في الباب الذي قبله باب الصدقة باليمين أعم من أن يكون بيمين المتصدق بنفسه ، أو بيمين خادمه ، أو وكيله . ( فإن قلت ) : ما فائدة وضع هذه الترجمة ، ولا يعلم منها حكم .

( قلت ) : قال صاحب التلويح كأن البخاري أراد بهذه معارضة ما رواه ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن عباس بن عبد الرحمن المدني ، قال : خصلتان لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يليهما إلى أحد من أهله ، كان يناول المسكين بيده ، ويضع الطهور لنفسه .

وفي الترغيب للجوزي بسند صالح ، عن ابن عباس ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكل طهوره ، ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد يكون هو الذي يتولاهما بنفسه ،
انتهى . .

( قلت ) : الذي يظهر من كلامه أن المتصدق بنفسه والمأمور بالصدقة عنه ، كلاهما في الأجر سواء على ما يشير إليه ما ذكره في الباب ، وإنما أطلق الترجمة ، ولم يشر إلى شيء من ذلك اكتفاء بما ذكره في الباب ، وقد جرت عادته بذلك في مواضع عديدة ، ولا معارضة هاهنا ؛ لأن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى المقامات ، فإذا أمر بشيء يفعله أحد ، هل يقال إنه يحصل له من الأجر مثل ما يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولئن سلمنا التعارض ظاهرا فلا نسلم أنه تعارض حقيقة لعدم التساوي بين ما ذكره في الباب وبين غيره . ( وقال أبو موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : هو أحد المتصدقين ) . أبو موسى هو الأشعر ، واسمه عبد الله بن قيس ، وهذا التعليق قطعة من حديث ذكره موصولا يأتي بعد ستة أبواب في باب أجر الخادم إذا تصدق ، فإن المذكور فيه الخازن أحد المتصدقين ، والضمير أعني قوله " هو " يرجع إلى الخازن .

( فإن قلت ) : الترجمة فيها لفظ الخادم ، والحديث فيه لفظ الخازن ، فلا مطابقة بينهما . ( قلت ) : الخازن خادم للمالك في الخزن وإن لم يكن خادما حقيقة ، وقد قلنا : إن لفظ الخادم أعم ، قوله : " هو أحد المتصدقين " بلفظ التثنية ، كما يقال القلم أحد اللسانين مبالغة ، أي : الخادم والمتصدق بنفسه متصدقان ، لا ترجيح لأحدهما على الآخر في أصل الأجر ، قالوا : ولا يلزم منه أن يكون مقدار ثوابهما سواء ؛ لأن الأجر فضل من الله يؤتيه من يشاء ، ذكر القرطبي أنه لم يرو إلا بالتثنية ، ويصح أن يقال على الجمع ، ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين ، وبنحوه ذكره ابن التين وغيره . 29 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن شقيق ، عن مسروق ، عن عائشة - رضي الله عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها أجره بما كسب ، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا .

مطابقته للترجمة في قوله " وللخازن مثل ذلك " ، وقد قلنا إن الخازن خادم للمالك في الخزن . ( فإن قلت ) : الترجمة مقيدة بالأمر ، وليس في الحديث ذلك . ( قلت ) : الخازن أمين ، وليس له أن يتصرف إلا بإذن المالك ، إما نصا وإما عادة ، وكذلك المرأة أمينة لا يجوز لها التصرف إلا بإذن زوجها إما نصا وإما عادة في الأشياء التي لا تؤلم زوجها وتطيب بها نفسه ، فلذلك قيد ج٨ / ص٢٩١بقوله غير مفسدة ، وإفسادها إنما يكون بغير إذن الزوج ، أو بما يؤلم زوجها خارجا عن العادة على ما نقرره عن قريب ، إن شاء الله تعالى .

( ذكر رجاله ) وهم ستة : كلهم قد ذكروا غير مرة ، وعثمان هو ابن محمد بن أبي شيبة ، واسمه إبراهيم أبو الحسن الكوفي ، أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، وجرير بن عبد الحميد ، ومنصور بن المعتمر وشقيق بن سلمة ، ومسروق بن الأجدع . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع .

وفيه : أن جريرا رازي أصله من الكوفة ، والبقية كوفيون . وفيه : رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابية . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الزكاة ، عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، وعن قتيبة ، عن جرير ، كلاهما عن الأعمش ، وعن آدم ، عن شعبة ، عن الأعمش ، ومنصور ، كلاهما عن أبي وائل به .

وفيه : عن يحيى بن يحيى . وفيه : وفي البيوع ، عن عثمان بن أبي شيبة ، كلاهما عن جرير ، عن منصور به ، وأخرجه مسلم في الزكاة ، عن يحيى بن يحيى ، وزهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن جرير ، وعن محمد بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسدد ، عن أبي عوانة ، عن منصور به ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء ، عن محمد بن قدامة ، عن جرير ، عن منصور به ، وعن أحمد بن حرب ، عن أبي معاوية به ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن محمد بن عبد الله بن نمير به ،

وأخرج الترمذي هذا الحديث من طريقين ؛ أحدهما عن محمد بن المثنى ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا وائل يحدث عن عائشة - رضي الله تعالى عنها ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها أجر ولزوجها مثل ذلك وللخازن مثل ذلك ، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا ، له بما كسب ، ولها بما أنفقت " ، ثم قال : هذا حديث حسن
والطريق الآخر ، عن محمود بن غيلان ، عن المؤمل ، عن سفيان ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة ، كان لها مثل أجره ، لها ما نوت حسنا ، وللخازن مثل ذلك " ، ثم قال أبو عيسى : هذا حسن صحيح ، وهو أصح من حديث عمرو بن مرة ، عن أبي وائل ، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه ، عن مسروق
. ( فإن قلت ) : قال الطوسي : حديث عمرو حسن صحيح .

( قلت ) : فيه نظر ؛ لأن الدارقطني قال : رواه جرير ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق . ورواه عبد الصمد بن حسان ، عن الثوري ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن الأسود ، ووهم في قوله : ورواه معاذ بن معاذ وأبو قتيبة ، عن شعيب ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي وائل ، عن مسروق . ورواه عبد الله بن أبي جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم بن عمارة ، عن عمير ، عن أبيه ، عن عائشة ، ووهم فيه ، والصحيح عن الأعمش ومنصور ، عن أبي وائل ، عن مسروق .

( ذكر معناه ) : قوله : " إذا أنفقت المرأة " . وفي رواية للترمذي : " إذا تصدقت المرأة " . وفي رواية أخرى له " إذا أعطت المرأة من بيت زوجها " قوله : " من طعام بيتها " قيد به ؛ لأنه يسمح به عادة بخلاف الدراهم والدنانير ، فإن إنفاقها منها لا يجوز إلا بالإذن ، قوله : " غير مفسدة " نصب على الحال قيد به ؛ لأنها إذا كانت مفسدة بأن تجاوزت المعتاد ، فإنه لا يجوز .

قوله " كان لها " ، أي : للمرأة أجرها ، أي : لأجل إنفاقها غير مفسدة ، ولزوجها أجره بما كسب ، أي : بسبب كسبه ، والمعنى : إن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر ، ومعنى المشارك أن له أجرا كما لصاحبه أجر ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره ، أو المراد المشاركة في أصل الثواب ، فيكون لهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر ، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء ، بل يكون ثواب هذا أكثر ، وقد يكون بعكسه . قوله " وللخازن مثل ذلك " ، أي : مثل ذلك الأجر ، والخازن هو الذي يكون بيده حفظ الطعام والمأكول من خادم وقهرمان ، وقد قلنا إنه أعم من مملوك وغيره ، فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم ، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقي الصدقة على باب داره أو نحوه ، فأجر المالك أكثر وإن أعطاه رمانة أو رغيفا أو نحوهما ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة ، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف ، فأجر الوكيل أكثر ، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلا ، فيكون مقدار الأجر سواء . ( فإن قلت ) : روى ج٨ / ص٢٩٢مسلم من حديث يزيد بن عبيد ، قال : سمعت عميرا مولى أبي اللحم ، قال : أمرني مولاي أن أقدد لحما ، فجاء مسكين فأطعمته منه ، فعلم مولاي بذلك فضربني ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فدعاه ، فقال له : لم ضربته ؟ قال : يعطي طعامي من غير أن آمره ، فقال : الأجر بينكما " .

( قلت ) : معناه : بينكما قسمان ، وإن كان أحدهما أكثر ، وأشار القاضي عياض إلى أنه يحتمل أيضا أن يكون سواء ؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى ، ولا يدرك بقياس ، ولا هو بحسب الأعمال ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وقال النووي : والمختار الأول ، قوله : " لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا " شيئا منصوب ؛ لأنه مفعول لقوله " لا ينقص " وقوله " أجر " منصوب بنزع الخافض ، أي : من أجر بعض ، أو هو مفعول أول لقوله " لا ينقص " ؛ لأنه ضد يزيد ، وهو متعد إلى مفعولين ، قال تعالى : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ( ذكر ما يستفاد منه ) : اختلف الناس في تأويل هذا الحديث ، فقال بعضهم : هذا على مذهب الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان ، أن رب البيت قد يأذن لأهله وعياله وللخادم في الإنفاق بما يكون في البيت من طعام أو أدام ، ويطلق أمرهم فيه إذا حضره السائل ونزل الضيف ، وحضهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لزوم هذه العادة ، ووعدهم الثواب عليه . وقيل : هذا في اليسير الذي لا يؤثر نقصانه ، ولا يظهر . وقيل : هذا إذا علم منه أنه لا يكره العطاء فيعطي ما لم يجحف ، وهذا معنى قوله " غير مفسدة " وفرق بعضهم بين الزوجة والخادم ، بأن الزوجة لها حق في مال الزوج ، ولها النظر في بيتها ، فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافا ، لكن بمقدار العادة ، وما يعلم أنه لا يؤلم زوجها ، فأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ، ولا حكم ، فيشترط الإذن في عطية الخادم دون الزوجة .

( فإن قلت ) : أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة ، فمنها ما يدل على منع المرأة أن تنفق من بيت زوجها إلا بإذنه ، وهو حديث أبي أمامة ،

رواه الترمذي . قال : حدثنا هناد ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - في خطبته عام حجة الوداع : " لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها ، قيل : يا رسول الله ، ولا الطعام ؟ قال : ذاك أفضل أموالنا " . وقال : حديث حسن
، وأخرجه ابن ماجه أيضا ، ومنها ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك ، وهو حديث عائشة المذكور ، ومنها ما قيد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه ، وبكونها غير مفسدة ، وهو حديث عائشة أيضا ، رواه الترمذي من حديث مسروق عنها ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة " الحديث .

ومنها ما هو مقيد بكونها غير مفسدة وإن كان من غير أمره ، وهو حديث أبي هريرة ، رواه مسلم من حديث همام بن منبه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه ، وما أنفقت من كسبه من غير أمره ، فإن نصف أجره له " . ومنها ما قيد الحكم فيه بكونه رطبا ، وهو حديث سعد بن أبي وقاص ، رواه أبو داود من رواية زياد بن جبير " عن سعد قال : لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء ، قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر ، فقالت : يا نبي الله أنأكل من عمل آبائنا وأبنائنا " قال أبو داود : وأرى فيه " وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم ، قال : الرطب تأكليه وتهديه " قال أبو داود : الرطب : الخبز ، والبقل والرطب . ( قلت ) : الرطب الأول بفتح الراء ، والثاني بضمها ، وهو رطب التمر ، وكذلك العنب وسائر الفواكه الرطبة دون اليابسة .

( قلت ) : كيفية الجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك ، أو كراهته لذلك وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئا يسيرا يتسامح به ، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله ، وبين أن يكون ذلك رطبا يخشى فساده إن تأخر ، وبين أن يكون يدخر ، ولا يخشى عليه الفساد .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث