حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب المنان بما أعطى

( باب المنان بما أعطى ) . أي هذا باب في بيان ذم المنان بما أعطى ، أي : بما أعطاه ، وإنما قدرنا هكذا ؛ لأن لفظ المنان يشعر بالذم ؛ لأنه لا يذكر إلا في موضع الذم في حق بني آدم ، ولهذا قال تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى فإذا كان المن مبطلا للصدقات يكون من الأشياء الذميمة ، قال ابن بطال : الامتنان مبطل لأجر الصدقة . قال تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى وقال القرطبي : لا يكون المن غالبا إلا عن البخل والكبر والعجب ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه ، فالبخيل تعظم في نفسه العطية ، وإن كانت حقيرة في نفسها ، والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة ، وأنه منعم بماله على المعطى ، والكبر يحمله على أن يحقر المعطى له وإن كان في نفسه فاضلا ، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه ، ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع ، ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء الجميل ، انتهى .

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوعيد الشديد في حق المنان فيما رواه مسلم من حديث أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة : المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة ، والمنفق سلعته بالحلف ، والمسبل إزاره " . وفي الباب أيضا ، عن ابن مسعود وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما وأبي أمامة بن ثعلبة وعمران بن حصين ومعقل بن يسار . ( فإن قلت ) : لم يذكر البخاري في هذا الباب حديثا .

( قلت ) : كأنه لم يتفق له حديث على شرطه ، فلذلك اكتفى بذكر الآية المذكورة . وفي التلويح والذي يقارب شرطه حديث أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرناه ، وقال بعضهم : كأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعا . ( قلت ) : هذا كلام غير موجه ؛ لأنه كيف يشير إلى شيء ليس بموجود ، والإشارة إنما تكون للحاضر ، ولهذا لم تثبت هذه الترجمة إلا في رواية الكشميهني وحده بغير حديث .

لقوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا الآية . علل الترجمة بهذه الآية ، ووجه ذلك أن الله تعالى مدح الذين ينفقون أموالهم في سبيله ، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منا على ما أعطوه ، ولا يمنون به على أحد لا بقول ولا بفعل ، والذين يتبعون ما أنفقوا منا وأذى يكونون مذمومين ، ولا يستحقون من الخيرات ما يستحق الذين لا يتبعون ما أنفقوا منا ، ولا أذى ، فيكون وجه التعليل هذا والشيء يتبين بضده . قوله " ولا أذى " ، أي : ولا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان ثم وعدهم الله بالجزاء الجميل على ذلك ، فقال : لهم أجرهم عند ربهم ، أي : ثوابهم على الله لا على أحد سواه ، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال القيامة ، ولا هم يحزنون ، أي : على ما خلفوه من الأولاد ، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها .

وذكر الواحدي ، عن الكلبي قال : نزلت هذه الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، جاء عبد الرحمن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة آلاف درهم نصف ماله ، وقال عثمان : علي جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك ، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ، فنزلت فيهما هذه الآية الكريمة ، والله أعلم ، وقال ابن بطال : ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين في ج٨ / ص٢٩٨سبيل الله تعالى معونة لهم على جهاد العدو ، ثم يمن عليهم بأنه قد صنع إليهم معروفا ، إما بلسان أو بفعل ، ولا ينبغي له أن يمن به على أحد ؛ لأن ثوابه على الله تعالى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث