باب الصدقة تكفر الخطيئة
( باب الصدقة تكفر الخطيئة ) 39 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : قال عمر - رضي الله عنه - : أيكم يحفظ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الفتنة ؟ قال : قلت : أنا أحفظه كما قال إنك عليه لجريء ، فكيف ؟ قال : قلت : فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف . قال سليمان : قد كان يقول الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال : ليس هذه أريد ، ولكني أريد التي تموج كموج البحر ، قال : قلت : ليس عليك بها يا أمير المؤمنين بأس ، بينك وبينها باب مغلق ، قال : فيكسر الباب ، أو يفتح ، قال : قلت : لا ، بل يكسر ، قال : فإنه إذا كسر لم يغلق أبدا ، قال : قلت : أجل ، فهبنا أن نسأله من الباب ، فقلنا لمسروق : سله ، قال : فسأله ، فقال عمر - رضي الله عنه .
قال : قلنا : فعلم عمر من تعني ، قال : نعم كما أن دون غد ليلة ، وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط . مطابقته للترجمة في قوله : " فتنة الرجل " إلى قوله " والمعروف " . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وقتيبة بن سعيد وجرير بفتح الجيم ابن عبد الحميد ، والأعمش سليمان ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وقد مضى الحديث في أوائل كتاب الصلاة في باب الصلاة كفارة ، فإنه أخرجه هناك ، عن مسدد ، عن يحيى ، عن الأعمش إلى آخره ، وبينهما تفاوت يسير ، وقد مر الكلام فيه مستوفى هناك .
قوله : " الجريء " من الجراءة ، قال ابن بطال : إنك لجريء ، أي : إنك لكنت كثير السؤال عن الفتنة في أيامه - صلى الله عليه وسلم - فأنت اليوم جريء على ذكره عالم به ، قوله " والمعروف " ، أي : الخير ، وهو تعميم بعد تخصيص ، قوله : " قال سليمان " يعني : الأعمش المذكور في السند ، قوله : " قد كان يقول " ، أي : قد كان يقول أبو وائل في بعض الأوقات بدل " المعروف " " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " قوله : " قال ليس هذه " ، أي : قال عمر - رضي الله تعالى عنه - ليس هذه الفتنة أريدها ، قوله : " أريد التي " ، أي : الفتنة التي قوله " قال قلت " : أي قال حذيفة قلت ، قوله : " بها " ، ويروى " فيها " ، أي : في الفتنة ، قوله " بأس " مرفوع ؛ لأنه اسم ليس ، قوله " فيكسر الباب أو يفتح " ، ويروى " أم تفتح " أشار به إلى موته بدون القتل ، كان يرجو أن الفتنة وإن بدت تسكن ، أي : كان ذلك بسبب موته دون قتله ، وأما إن ظهر بسبب قتله ، فلا تسكن أبدا . قوله : " بل يكسر " وأشار حذيفة بهذه اللفظة إلى قتل عمر - رضي الله تعالى عنه - قوله : " قال فإنه " ، أي : قال عمر ، فإن الباب إذا كسر لم يغلق أبدا ، وأشار به عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى أنه إذا قتل ظهرت الفتن ، فلا تسكن إلى يوم القيامة ، وكان كما قال ؛ لأنه كان سدا أو بابا دون الفتنة ، فلما قتل كثرت الفتنة ، وعلم عمر أنه الباب ، قوله : " فهبنا " بكسر الهاء ، أي : خفنا أن نسأل حذيفة - رضي الله تعالى عنه - ، وكان حذيفة مهيبا ، فهاب أصحابه أن يسألوه من الباب ، يعني : من المراد بالباب ، وكان مسروق أجرأ على سؤاله لكثرة علمه وعلو منزلته ، فسأله فقال : هو عمر ، أي : الباب الذي كني به عنه ، ثم قالوا فعلم عمر من تعني ، أي : من تقصد من الباب ، قال حذيفة : نعم علم علما لا شك فيه ، كما أن دون غد ليلة ، يعني : كما لا شك أن اليوم الذي أنت فيه يسبق الغد الذي يأتي بعدها ، قوله : " ليلة " بالنصب اسم إن ، ودون غد خبره ، ثم علل ذلك بقوله " وذلك أني حدثته " ، أي : حدثت عمر بحديث واضح لا شبهة فيه ، عن معدن الصدق ورأس العلم ، وهو معنى قوله " حديثا ليس بالأغاليط " . ج٨ / ص٣٠٢وهو جمع أغلوطة ، وهي ما يغلط به ، عن الشارع ، ونهى الشارع عن الأغلوطات ، وهذا منه ، وقال ابن قرقول : الأغاليط صعاب المسائل ودقاق النوازل التي يغلط فيها ، وقال الداودي : ليس بالأغاليط ، ليس بالصغير من الأمر ، واليسير الرزية .
وفيه من الفوائد ضرب الأمثال في العلم والحجة لسد الذرائع . وفيه : قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند العالم المبرز . وفيه : أن العالم قد يرمز به رمزا ليفهم المرموز له دون غيره ؛ لأنه ليس كل العلم تحت إباحته إلى من ليس بمتفهم له ، ولا عالم بمعناه .
وفيه : أن الكلام في الجريان مباح إذا كان فيه أثر عن النبوة وما سوى ذلك ممنوع ؛ لأنه لا يصدق منه إلا أقل من عشر العشر ، كما قال صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق ، يحفظها الجني فيضيف إليها أزيد من مائة كذبة ، والله أعلم .