باب زكاة البقر
( باب زكاة البقر ) ( وقال أبو حميد : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لأعرفن ما جاء الله رجل ببقرة لها خوار ، ويقال : جؤار ، تجأرون ترفعون أصواتكم كما تجأر البقرة ) . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يتضمن الوعيد فيمن لم يؤد زكاة البقر فيدل على وجوب زكاة البقر ، وقد قلنا : إن التقدير في الترجمة باب في بيان إيجاب زكاة البقر ، وهذا التعليق قطعة من حديث ابن اللتيبة أخرجه مسندا موصولا من طرق ، وهذا القدر وقع عنده موصولا في كتاب ترك الحيل وأبو حميد بضم الحاء الساعدي الأنصاري ، قيل : اسمه عبد الرحمن ، وقيل : المنذر بن سعد مر في استقبال القبلة .
قوله : " لأعرفن " أي لأعرفنكم غدا على هذه الحالة ، وفي رواية الكشميهني : لا أعرفن بحرف النفي أي ما ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة فأعرفكم بها ، قال القاضي : رواية النفي أشهر ورواية لأعرفن أكثر ، رواه مسلم . قوله : " ما جاء الله رجل " كلمة ما مصدرية ولفظة الله منصوبة بقوله جاء ورجل مرفوع لأنه فاعل جاء ، وهذه الجملة في محل النصب على أنها مفعول قوله لأعرفن وتقدير الكلام لأعرفن مجيء رجل إلى الله يوم القيامة ببقرة لها خوار بضم الخاء المعجمة وبغير الهمزة وهو صوت البقر ، قوله : " ويقال : جؤار " من كلام البخاري أي يقال جؤار بضم الجيم وبالهمزة موضع خوار بضم الخاء المعجمة ، وقال ابن الأثير : المشهور بالخاء المعجمة وأما الجؤار بالجيم والهمزة فمعناه رفع الصوت والاستغاثة من جأر يجأر جأرا وجؤارا إذا رفع صوته مع تضرع واستغاثة ، قاله في المحكم ، وقال ثعلب : هو رفع الصوت بالدعاء ، وفي كتاب الوحوش للكرنبائي : الخوار غير مهموز والجؤار مهموز وهما سواء ، قوله : " تجأرون " أشار به إلى المذكور في القرآن في سورة المؤمنين معناه ترفعون أصواتكم ، وقد جرت عادة البخاري إذا وقف على لفظة غريبة تطابق كلمة في القرآن نقل تفسير تلك الكلمة التي من القرآن تكثيرا للفائدة وتنبيها على ما وقع من ذلك في القرآن ، وقد روى ابن أبي حاتم هذا التفسير عن السدي وروى أيضا من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : تجأرون ، قال : تستغيثون . 62 - ( حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف ، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها ، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ) .
مطابقته للترجمة مثل الذي ذكرناه في الحديث السابق . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة كلهم قد ذكروا ، والأعمش ج٩ / ص٢٧هو سليمان ، والمعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالراء المكررة مر في باب المعاصي في كتاب الإيمان . وأخرجه البخاري أيضا في النذور مقطعا ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي كريب وعن أبي معاوية ، ثلاثتهم عن الأعمش عنه به ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد به وعن محمد بن عبد الله بن المبارك ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد ، عن وكيع به مختصرا : " ما من صاحب إبل . .
" الحديث . ( ذكر معناه ) : قوله : " انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم " ، ويروى " انتهيت إليه " أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، هكذا فسره الكرماني أيضا ، وقال صاحب التلويح : انتهيت إليه يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية مسلم : " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وفي رواية الترمذي : " جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، أما رواية مسلم فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، " عن أبي ذر ، قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة ، فلما رآني قال : هم الأخسرون ورب الكعبة " . . الحديث .
وفيه : " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها ، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس " ، وأما رواية الترمذي فقال : حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، " عن أبي ذر ، قال : جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة ، قال : فرآني مقبلا ، فقال : هم الأخسرون ورب الكعبة يوم القيامة " . . الحديث . وفيه : ثم قال : " والذي نفسي بيده لا يموت رجل فيدع إبلا أو بقرا لم يؤد زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه ، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها ، كلما نفدت . .
" إلى آخره نحو رواية مسلم ، وقال بعضهم : قوله : " قال انتهيت إليه " هو مقول المعرور والضمير يعود على أبي ذر وهو الحالف ، انتهى . قلت : رواية مسلم والترمذي تظهر غلط هذا القائل وهذان العمدتان في هذا الأمر يصرحان أن قوله انتهيت مقول أبي ذر وليس بمقول المعرور وأن الحالف هو النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : " أو كما حلف " يعني حالفا بلا خلاف ، ولكن أبا ذر تردد بين هذه الألفاظ ولم يضبطها كما وقع قوله : " ما من رجل " مقول قوله : " قال والذي نفسي بيده " ، وهذه الجملة معترضة بين قال ومقوله ، قوله : " لا يؤدي حقها " أي زكاتها وكذا صرح في رواية مسلم حيث قال " لا يؤدي زكاتها " ، قوله : " أتي بها " بضم الهمزة ، قوله : " أعظم " نصب على الحال ، قوله : " وأسمنه " الضمير فيه يرجع إلى ما يكون ، قوله : " وتنطحه " بكسر عينه وهو الذي اختاره ثعلب في الفصيح وماضيه نطح بفتح العين ، قال القزاز : النطح ضرب الكبش برأسه ، وحكى المطرز في شرحه : ينطح بفتح العين في المستقبل وفي الماضي بالتشديد نطح ، قلت : ليس هذا من ذلك ولا يأتي من فعل بالتشديد إلا يفعل كذلك بالتشديد ، وقيل : النطح مخصوص بالكباش وكان ابن خروف يخطئه في ذلك ، وقد استعمل في غير الكباش وحكى ابن قتيبة : نطح الكبش والثور ، وحكى اللغويون نطح الشجاع قرنه فصرعه ، وفي كتاب الفصيح نطح الكبش وغيره ينطح ، وفي المنتهى لأبي المعاني : وتناطحت الأمواج ، وقال ابن درستويه في كتابه شرح الفصيح : النطح بالقرنين أو الرأسين ، ويخص بذلك الكباش لأنها مولعة به حتى إن الأقران في الحرب تشبه بها ، فيقال : تناطحوا وانتطحوا ونطح فلان قرنه فصرعه ، قوله : " بأخفافها " جمع خف فالخف للبعير كما أن القرن للبقر والغنم ، قوله : " كلما جازت " أي مرت ، قوله : " ردت " على صيغة المجهول ، ويروى على صيغة المعلوم فالفاعل إما الأولى وإما الأخرى ، قوله : " عليه " أي على رجل له إبل وهو المذكور ومعناه يعاقب بهذه العقوبة حتى يقضى بين الناس أي إلى أن يفرغ الحساب .