حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ

حدثنا أحمد بن عيسى ، قال : حدثنا ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، أن سالم بن عبد الله قال : أخبره أن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب رحلته بذي الحليفة ، ثم يهل حتى تستوي به قائمة . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ذكر الركوب ، وذكر الفج العميق ، أما الركوب ، فهو قوله : ( يركب راحلته ) ، وأما الفج العميق ، فهو ذو الحليفة ؛ لأنه لا شك أن بينها وبين مكة عشر مراحل ، وهو فج وعميق ، وسنبسط الكلام فيها عن قريب إن شاء الله تعالى ، وبما ذكرنا سقط اعتراض الإسماعيلي حيث قال : ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به ، ولو وقع في خاطره ما ذكرنا من المطابقة الواضحة لما أقدم إلى الاعتراض . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة ، أحمد بن عيسى ، أبو عبد الله التستري ، مصري الأصل ، ولكنه كان يتجر إلى تستر ، فنسب إليها ، مات سنة ثلاث ، وأربعين ومائتين ، كذا وقع في رواية أبي ذر بنسبته إلى أبيه ، ووافقه أبو علي الشبوي ، وأهمله الباقون ، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وقال صاحب ( التلويح ) ، والذي رأيت في ( مسند عبد الله بن وهب ) رواية يونس بن عبد الأعلى عنه ، أنبأنا يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبيا ، وابن شهاب محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم .

وأخرجه مسلم ، عن حرملة ، والنسائي عن عيسى بن إبراهيم . ( ذكر معناه ) : قوله : ( يركب راحلته ) ، والراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار ، والأحمال ، والذكر ، والأنثى فيه سواء ، والهاء فيها للمبالغة ، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة ، وتمام الخلق ، وحسن المنظر ، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت . قوله : ( بذي الحليفة ) بضم الحاء المهملة ، وفتح اللام ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الفاء ، وفي آخره هاء ، وهي شجرة منها يحرم أهل المدينة ، وهي من المدينة على أربعة أميال ، ومن مكة على مائتي ميل غير ميلين ، وقيل : بينها وبين المدينة ميل ، أو ميلان ، والميل ثلث فرسخ ، وهو أربعة آلاف ذراع ، وبذي الحليفة عدة آبار ، ومسجدان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس ، والمسجد الآخر مسجد المعرس ، وقال ابن التين : هي أبعد المواقيت من مكة تعظيما لإحرام النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله : ( ثم يهل ) بضم الياء من الإهلال ، وهو رفع الصوت بالتلبية . قوله : ( حتى تستوي ) ، أي : الراحلة . قوله : ( قائمة ) نصب على الحال .

( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه الركوب في سفر الحج ، والركوب فيه ، والمشي سواء في الإباحة ، والكلام في الأفضلية ، فقال قوم : الركوب أفضل اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولفضل النفقة ، فإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف ، كما أخرجه أحمد من حديث بريدة ، وصحح جماعة أن المشي أفضل ، وبه قال إسحاق ؛ لأنه أشد على النفس ، وفي حديث صححه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا : ( من حج إلى مكة ماشيا حتى رجع كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل : وما حسنات الحرم؟ قال : كل حسنة بمائة ألف حسنة ) ، وروى محمد بن كعب ، عن ابن عباس ، قال : ما فاتني شيء أشد علي إلا أن أكون حججت ماشيا ؛ لأن الله تعالى يقول : يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ أي : ركبانا ، فبدأ بالرجال قبل الركبان ، وذكر إسماعيل بن إسحاق ، عن مجاهد ، قال : أهبط آدم صلى الله عليه وسلم بالهند فحج على قدميه البيت أربعين حجة ، وعن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أن إبراهيم ، وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حجا ماشيين ، وحج الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما خمسة وعشرين حجة ماشيا ، وإن النجائب لتقاد بين يديه ، وفعله ابن جريج ، والثوري ، وفي ( المستدرك ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ، قال : ( حج رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة ، ثم قال : اربطوا على أوساطكم مآزركم ، وامشوا مشيا خلط الهرولة ) ، ثم قال : صحيح الإسناد . وفيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أهل حين استوت راحلته قائمة ، واستواؤها كمال قيامها ، وبه احتج مالك ، وأكثر الفقهاء على أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة ، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقيب الصلاة إذا سلم منها ، وقال الشافعي : يهل إذا أخذت ناقته في المشي ، ومن كان يركب راحلته قائمة ، كما يفعله كثير من الحاج اليوم ، فيهل على مذهب مالك إذا استوى عليها راكبا ، وقال عياض : جاء في رواية : ( أهل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا استوت الناقة ) ، وفي رواية أخرى : ( حتى إذا استوت به راحلته ) ، وفي أخرى : ( حتى تنبعث به صلى الله عليه وسلم ناقته ) ، ولا يفهم منه أخذها في المشي ، وقال أكثر أصحاب مالك : يستحب أن يهل إذا استوت به ناقته إن كان راكبا ، وإن كان راجلا فحين يأخذ في المشي ، وقال الشافعي : إن كان راكبا فكذلك .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث