باب فضل الحج المبرور
حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ، قال : حدثنا خالد ، قال : أخبرنا حبيب بن أبي عمرة ، عن عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول الله ، نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ، قال : لا ، لكن أفضل الجهاد حج مبرور . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، الأول : عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله العيشي ، بفتح العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالشين المعجمة .
الثاني : خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان . الثالث : حبيب بن أبي عمرة ، بفتح العين المهملة ، وسكون الميم ، وفتح الراء ، وفي آخرها هاء القصاب . الرابع : عائشة بنت طلحة بنت عبيد الله التميمية القرشية ، وكانت من أجمل نساء قريش ، أصدقها مصعب بن الزبير ألف ألف درهم .
الخامس : أم المؤمنين عائشة الصديقة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار كذلك في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه ليس أخا لعبد الله بن المبارك الفقيه المشهور ، فإنه مروزي ، وشيخ البخاري بصري من بني عيش ، وفيه أن خالدا واسطي ، وأن حبيبا كوفي ، وأن عائشة بنت طلحة مدنية ، وفيه رواية التابعية عن الصحابية ، وفيه روايتها عن خالتها ، فإن عائشة الصديقة خالة عائشة بنت طلحة ؛ لأن أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن مسدد ، عن خالد بن عبد الله ، وفي الحج أيضا عن مسدد ، عن عبد الواحد بن زياد ، وفي الجهاد أيضا عن قبيصة ، عن سفيان ، وأخرجه النسائي في الحج عن إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير ، عن حبيب بن أبي عمرة نحوه ، وأخرجه ابن ماجه رضي الله تعالى عنه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة .
( ذكر معناه ) : قوله : ( أفلا نجاهد ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار . قوله : ( قال لا ) ، أي : لا تجاهدن . قوله : ( لكن ) في رواية الأكثرين بضم الكاف ، والنون لجماعة النساء خطابا لهن ، وقال القابسي : هذا هو الذي تميل إليه نفسي ، وفي رواية الحموي ( لكن ) بكسر الكاف وزيادة الألف قبلها بلفظ الاستدراك ، ( قلت ) : فعلى هذه الرواية اسم لكن هو قوله : ( أفضل الجهاد ) بالنصب ، وخبرها هو قوله : ( حج مبرور ) ، والمستدرك منه يستفاد من السياق تقديره : ليس لكن الجهاد ، ولكن أفضل الجهاد في حقكن حج مبرور ، وعلى الرواية الأولى أفضل الجهاد مرفوع على الابتداء ، وخبره هو قوله : ( لكن ) تقديره : أفضل الجهاد لكن حج مبرور ، وفي لفظ النسائي : ( ألا نخرج ، فنجاهد معك ، فإني لا أرى عملا في القرآن العظيم أفضل من الجهاد ، فقال : لكن أحسن الجهاد ، وأجمله حج البيت حج مبرور ) ، وفي رواية ابن ماجه ( عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، قلت : يا رسول الله ، هل على النساء جهاد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ) ، وعنده أيضا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ، قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ( الحج جهاد كل ضعيف ) ، وفي رواية النسائي رحمه الله تعالى بسند لا بأس به عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( جهاد الكبير ، والصغير ، والضعيف ، والمرأة الحج والعمرة ) ، وإنما قيل للحج جهاد ؛ لأنه يجاهد في نفسه بالكف عن شهواتها ، والشيطان ، ودفع المشركين عن البيت باجتماع المسلمين إليه من كل ناحية .
( ذكر ما يستفاد منه ) : قال المهلب : في هذا ، وفي إذن عمر رضي الله تعالى عنه لهن بالحج إبطال إفك المشغبين ، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه : هذه ، ثم ظهور الحصر ، وهذا ظاهر الاختلاق ؛ لأنه حضهن على الحج ، وبشرهن أنه أفضل جهادهن ، وإذن عمر لهن ، وسير عثمان معهن حجة قاطعة على ما كذب به على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أمر أم المؤمنين ، وكذا قولهم عنه إنه قال لها : تقاتلي عليا ، وأنت له ظالمة ، فإنه لا يصح . انتهى . قوله : ( وإذن عمر لهن ، وسير عثمان معهن ) أراد به الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى في باب حج النساء في أواخر كتاب الحج ، قال : قال لي أحمد بن محمد : ( حدثنا إبراهيم ، عن أبيه ، عن جده أذن عمر رضي الله تعالى عنه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها ، فبعث معهن عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم ، ( قلت ) : إنكار المهلب قوله صلى الله عليه وسلم هذه ، ثم ظهور الحصر لا وجه له ، فإن أبا داود رواه في ( سننه ) ، وقال : حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي واقد الليثي ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه في حجة الوداع : هذه ، ثم ظهور الحصر ، قال ابن الأثير : وفي الحديث ( أفضل الجهاد ، وأجمله حج مبرور ، ثم لزوم الحصر ) ، وفي رواية أنه قال لأزواجه : ( هذه ، ثم لزوم الحصر ) ، أي : إنكن لا تعدن تخرجن من بيوتكن ، وتلزمن الحصر ، هي جمع الحصير الذي يبسط في البيت ، وتضم الصاد ، وتسكن تخفيفا .
وأما حديث تقاتلي عليا ، وأنت له ظالمة فليس بمعروف ، والمعروف أن هذا قاله للزبير بن العوام ، والله أعلم ، وسند حديثه ضعيف ، وقال المهلب أيضا . قوله : ( لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) تفسير قوله : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ الآية ، ليس على الفرض لملازمة البيوت كما زعم من أراد تنقيص أم المؤمنين في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين ، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها ؛ لأنه قال : لكن أفضل الجهاد حج مبرور ، فدل أن لهن جهادا غير الحج ، والحج أفضل منه ، ( فإن قيل ) : النساء لا يحل لهن الجهاد ( قيل ) له : قالت حفصة رضي الله تعالى عنها : قدمت علينا امرأة غزت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات ، وقالت : كنا نداوي الكلمى ، ونقوم على المرضى ، وفي ( الصحيح ) ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا إراد الغزو أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها غزا بها ، وقال ابن بطال : وإنما جعل الجهاد حديث أبي هريرة أفضل من الحج ؛ لأن ذلك كان في أول الإسلام وقلته ، وكان الجهاد فرضا متعينا على كل أحد ، فأما إذا ظهر الإسلام ، وفشا ، وصار الجهاد من ، فروض الكفاية على من قام به ، فالحج حينئذ أفضل ، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ( أفضل جهادكن الحج ) لما لم تكن من أهل الغناء ، والجهاد للمشركين ، فإن حل العدو ببلدة ، واحتيج إلى دفعه ، وكان له ظهور وقوة ، وخيف منه فرض الجهاد على الأعيان كان أفضل من الحج .