حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن

( باب الطيب عند الإحرام ، وما يلبس إذا أراد أن يحرم ، ويترجل ، ويدهن ) أي هذا باب في بيان جواز الطيب عند إرادة الإحرام ، وجواز ما يلبس الشخص إذا أراد الإحرام . قوله : ( ويترجل ) بالرفع عطف على قوله : وما يلبس ، ويروى بالنصب ، ووجهه أن يكون منصوبا بأن المقدرة ، كما في قول الشاعر:

للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
وقوله : ( ويترجل ) من الترجل على وزن التفعل ، وهو أن يسرح شعره من رجلت رأسي إذا مشطته بالمشط . قوله : ( ويدهن ) بفتح الهاء من الثلاثي ، يعني : من دهن يدهن ، وبكسرها من ادهن على وزن افتعل إذا تطلى بالدهن ، وأصله يتدهن ، فأبدلت التاء دالا ، وأدغمت الدال في الدال ، وهو عطف أيضا على يلبس ، وقد تكلم الشراح هنا بما لا طائل تحته فتركناه .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يشم المحرم الريحان ، وينظر في المرآة ، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن .

هذا التعليق في شم المحرم الريحان وصله البيهقي بسند جيد إلى سفيان ، حدثنا أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا للمحرم أن يشم الريحان
،
وروى الدارقطني بسند صحيح عنه المحرم يشم الريحان ، ويدخل الحمام ، وينزع سنه ، ويفقأ القرحة ، وإن انكسر ظفره أماط عنه الأذى .
واختلف الفقهاء في الريحان ، فقال إسحاق : يباح ، وتوقف أحمد فيه ، وقال الشافعي : يحرم ، وكرهه مالك ، والحنفية ، ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف ، وأما غيره فلا ، وروى بن أبي شيبة عن جابر أنه قال : لا يشم المحرم الريحان ،
وروى البيهقي بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره شم الريحان للمحرم ،
وعن أبي الزبير سمع جابرا يسأل عن الريحان أيشمه المحرم ، والطيب ، والدهن ، فقال : لا ، وعن جابر إذا شم المحرم ريحانا ، أو مس طيبا أهراق لذلك دما ، وعن إبراهيم في الطيب الفدية ، وعن عطاء إذا شم طيبا كفر ، وعنه إذا وضع المحرم على شيء دهنا فيه طيب فعليه الكفارة ، والريحان ما طاب ريحه من النبات كله سهليه وجبليه ، والواحدة ريحانة ، وفي ( المحكم ) الريحان أطراف كل بقلة طيبة الريح إذا خرج عليها أوائل النور ، والريحانة طاقة من الريحان .

وأما النظر في المرآة ، فقال النووي في ( جامعه ) رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه عن هشام بن حسان عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم ، وروى ابن أبي شيبة عن ليث عن طاوس لا ينظر . وأما التداوي ، قال ابن أبي شيبة ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، وعباد بن العوام عن أشعث عن عطاء ، عن ابن عباس أنه كان يقول : يتداوى المحرم بما يأكل ، وقال أيضا ، حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق ، عن الضحاك عن ابن عباس ، قال : إذا تشققت يد المحرم ، أو رجلاه فليدهنهما بالزيت ، أو السمن ، وروي أيضا من حديث ابن عمر : يتداوى المحرم بأي دواء شاء إلا دواء فيه طيب ، وكان الأسود يضمد رجله ج٤ / ص١٥٤بالشحم وهو محرم ، وعن أشعث بن أبي الشعثاء ، حدثني من سمع أبا ذر يقول : لا بأس أن يتداوى المحرم بما يأكل ، وفي رواية ، حدثني مرة بن خالد عن أبي ذر ، وعن معتب البجلي ، قال : أصابني شقاق وأنا محرم ، فسألت أبا جعفر ، فقال : ادهنه بما تأكل ، وكذا قاله ابن جبير ، ، وإبراهيم ، وجابر بن زيد ، ونافع ، والحسن ، وعروة ،

وقال أبو بكر : حدثنا وكيع ، حدثنا حماد ، عن فرقد السنجي عن ابن جبير ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدهن بالزيت عند الإحرام ، قال الزهري : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد
، ولفظه بالزيت وهو محرم غير المقتت ، قال أبو عيسى : المقتت المطيب ، ( قلت ) : المقتت بضم الميم ، وفتح القاف ، وتشديد التاء الأولى المثناة من فوق . قوله : ( يشم ) بفتح الشين المعجمة على الأشهر ، وحكي ضمها ، وذكر في ( الفصيح ) بفتح الشين في المضارع ، وكسرها في الماضي ، والعامة تقول : شممت بالفتح في الماضي ، وفي المستقبل بالضم ، وهو خطأ ، وعن الفراء ، وابن الأعرابي يقال : شممت أشم شممت أشم ، والأولى أفصح ، ويقال في مصدره الشم ، والشميم ، وتشممته تشمما ، وقال الزمخشري : وقد جاء في مصدره شميمي على وزن فعيلي كالخطيطي ، وقال ابن درستويه معنى الشم استنشاق الرائحة ، وقد يستعار في غير ذلك في كل ما قارب شيئا أدنى منه .

قوله : ( ويتداوى بما يأكل ) ، أي : بالذي يأكل منه . قوله : ( الزيت ، والسمن ) بالجر فيهما ، قال الكرماني : لأنه بدل ، أو بيان لما يأكل ، وقال ابن مالك بالجر عطف على ما الموصولة ، فإنها مجرورة بالباء أعني في قوله : بما ، قيل : وقع بالنصب ، وليس المعنى عليه ؛ لأن الذي يأكل هو الآكل لا المأكول ، لكن يجوز على الاتساع ، ( قلت ) : لا حاجة إلى هذا التعسف ، بل يكون منصوبا على تقدير أعني الزيت ، والسمن عطف عليه ، ويجوز الرفع فيهما على أن يكون الزيت خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو الزيت ، والسمن عطف عليه . ( وقال عطاء يتختم ويلبس الهميان ) عطاء ابن أبي رباح .

قوله : ( يتختم ) ، أي : يلبس الخاتم ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ، حدثنا هشام بن الغاز ، عن عطاء ، قال : لا بأس بالخاتم للمحرم ، وحدثنا المحاربي عن العلاء عن عطاء ، قال : لا بأس بالخاتم للمحرم ، وحدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق عنه ،

وعن ابن عباس بسند صحيح : لا بأس بالخاتم للمحرم ،
وعن أبي الهيثم عن النخعي ، ومجاهد مثله ، وقال خالد بن أبي بكر : رأيت سالم بن عبد الله يلبس خاتمه وهو محرم ، وكذا قاله إسماعيل بن عبد الملك عن سعيد بن جبير . قوله : ( ويلبس الهميان ) بكسر الهاء معرب هو شبه تكة السراويل تجعل فيها الدراهم ، وتشد على الوسط ، وفي ( المغيث ) قيل : هو فعلان من همى إذا سال ؛ لأنه إذا أفرغ همى ما فيه ، وفسر ابن التين الهميان بالمنطقة ،
وأخرج الدارقطني من طريق شريك ، عن أبي إسحاق ، عن عطاء ربما ذكره عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لا بأس بالهميان ، والخاتم للمحرم ، وأخرجه الطبراني ، وابن عدي من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا ، وإسناده ضعيف
، وقال ابن عبد البر : وأجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يشد الهميان على وسطه ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم ، وعطاء ، وطاوس ، والنخعي ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي ثور ، غير إسحاق ، فإنه قال : لا يعقده ، ويدخل السيور بعضها في بعض ، وسئلت عائشة عن المنطقة فقالت : أوثق عليك نفقتك ، وقال ابن علية : قد أجمعوا على أن للمحرم أن يعقد الهميان ، والإزار على وسطه ، وكذلك المنطقة ، وقول إسحاق لا يعد خلافا ولا حظ له في النظر ؛ لأن الأصل النهي عن لباس المخيط ، وليس هذا مثله ، فارتفع أن يكون له حكمه ، وقال ابن التين : إنما ذلك ليكون نفقته فيها ، وأما نفقة غيره فلا ، وإن جعلها في وسطه لنفقته ، ثم نفدت نفقته ، وكان معها وديعة ردها إلى صاحبها ، فإن تركها افتدى ، وإن كان صاحبها غاب بغير علمه فينفقها ، ولا شيء عليه ، ويشد المنطقة من تحت الثياب . ( وطاف ابن عمر رضي الله عنهما وهو محرم ، وقد حزم على بطنه بثوب ) الواو في وهو ، وقد حزم للحال ، أي : شد ، وهذا التعليق وصله الشافعي من طريق طاوس ، قال : رأيت ابن عمر يسعى وقد حزم على بطنه بثوب ، وعن سعيد ، عن إسماعيل بن أمية أن نافعا أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه ، إنما غرز طرفه ج٤ / ص١٥٥على إزاره ، وعن ابن أبي شيبة ، حدثنا ابن فضيل ، عن ليث عن عطاء ، ، وطاوس قالا : رأينا ابن عمر وهو محرم ، وقد شد حقويه بعمامة ، وحدثنا وكيع ، عن ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب سمعت ابن عمر يقول : لا تعقد عليك شيئا وأنت محرم ، وحدثنا ابن علية ، عن هشام بن حجير ، قال : رأى طاوس ابن عمر قد يطوف ، وقد شد حقويه بعمامة ،
وروى الحاكم بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ، قال : حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة ، فقال : اربطوا على أوساطكم مآزركم ، وامشوا خلط الهرولة ،
وفي ( التوضيح ) اختلف في الرداء الذي يلتحف به على مئزره ، فكان مالك لا يرى عقده ، ويلزمه الفدية إن انتفع به ، ونهى عنه ابن عمر ، وعطاء ، وعروة ، ورخص فيه سعيد بن المسيب ، وكرهه الكوفيون ، وأبو ثور ، وقالوا : لا بأس عليه إن فعل ، وحكي عن مالك أنه رخص للعامل أن يحزم الثوب على منطقته وكرهه لغيره .

( ولم تر عائشة رضي الله عنها بالتبان بأسا للذين يرحلون هودجها ) التبان بضم التاء المثناة من فوق ، وتشديد الباء الموحدة ، وبعد الألف نون ، وهو سراويل قصير جدا ، وهو مقدار شبر ساتر للعورة الغليظة فقط ويكون للملاحين ، والمصارعين . قوله : ( يرحلون ) بفتح الياء ، وسكون الراء ، وفتح الحاء المهملة ، قال الجوهري : تقول رحلت البعير أرحله بفتح أوله رحلا إذا شددت على ظهره الرحل . قوله : ( هودجها ) بفتح الهاء ، وبالجيم ، وهو مركب من مراكب النساء مقتب ، وغير مقتب ، وتعليق عائشة رضي الله تعالى عنها وصله سعيد بن منصور من طريق عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة أنها حجت ، ومعها غلمان لها ، وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء ، فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسوها وهم محرمون ، وأخرجه من وجه آخر مختصرا بلفظ يشدون هودجها ، وفي هذا رد على ابن التين في قوله : أرادت النساء ؛ لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال ، وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان ، والسراويل في منعه للمحرم ، وفي ( التوضيح ) التبان لبسه حرام عندنا كالقميص ، والدراعة ، والخف ونحوها ، فإن لبس شيئا من ذلك مختارا عامدا أثم ، وأزاله وافتدى سواء قصر الزمان ، أو طال .

132 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير ، قال كان ابن عمر رضي الله عنهما يدهن بالزيت ، فذكرته لإبراهيم ، قال : ما تصنع بقوله ، حدثني الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم . مطابقته للترجمة من حيث إن وبيص هذا الطيب كان من الطيب الذي تطيب به صلى الله عليه وسلم عند إرادة الإحرام . ( ذكر رجاله ) : وهم ثمانية ، كلهم قد ذكروا ، ومحمد بن يوسف هو الفريابي ، وسفيان هو الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وإبراهيم هو النخعي ، والأسود هو ابن زيد ، ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون ما خلا ابن عمر .

( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في الحج عن قتيبة ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن الصباح البزار ، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن منصور ، وعن محمد بن عبد الله المخرمي ، وأخرجه الطحاوي من ثمانية عشر طريقا عن الأسود عن عائشة مثل رواية البخاري ، غير أن لفظه في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عائشة أنها كانت تطيب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأطيب ما تجد من الطيب قالت : حتى أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته ، وعن عروة ، عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأطيب ما أجد ، وعن القاسم عنها قالت : طيبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيدي لإحرامه قبل أن يحرم ، وعن ابن عمر عنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالغالية الجيدة عند إحرامه ، وعن القاسم عنها قالت : طيبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحرمه حين أحرم ، وعن عطاء عنها طيبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للحل ، والإحرام ، وفي رواية الترمذي من حديث عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عائشة قالت : ج٤ / ص١٥٦طيبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يحرم ، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك ، وروى ابن أبي شيبة عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود عنها كان يتطيب قبل أن يحرم فيرى أثر الطيب في مفرقه بعد ذلك بثلاث ، وروى أيضا عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن إبراهيم عن الأسود عنها ( رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث وهو محرم ) ، وعند النسائي ( بعد ثلاث وهو محرم ) ، وفي أخرى : ( في أصول شعره ) ، وفي لفظ ( إذا أراد أن يحرم ادهن بأطيب دهن يجده حتى أرى وبيصه في رأسه ولحيته ) ، وعند الدارقطني من حديث ابن عقيل ، عن عروة عنها ( كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي ، وأشنان ودهنه بزيت غير كثير ) ، وفي مسند أبي محمد الدارمي ( طيبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحرمه وطيبته بمنى قبل أن يفيض ) ، وعند أبي علي الطوسي ( طيبته قبل أن يحرم ، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك ) . ( ذكر معناه ) : قوله : ( يدهن بالزيت ) ، أي : عند الإحرام بشرط أن لا يكون مطيبا ، وقال الكرماني : يدهن بالزيت ، أي : لا يتطيب ، وتقدم في باب من تطيب في كتاب الغسل أن ابن عمر قال : ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا . قوله : ( فذكرته ) ، أي : قال منصور : ذكرت امتناع ابن عمر من التطيب لإبراهيم النخعي .

قوله : ( ما تصنع بقوله ) ، أي : بقول ابن عمر ، أي : ماذا تصنع بقوله حيث ثبت ما ينافيه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الكرماني : يجوز أن يكون الضمير في بقوله عائدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ( فإن قلت ) : هذا فعل الرسول ، وتقريره لا قوله ، ( قلت ) : فعله في بيان الجواز كقوله . قوله : ( كأني أنظر ) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث إنها لشدة استحضارها له ، كأنها ناظرة إليه . قوله : ( إلى وبيص ) بفتح الواو ، وكسر الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره صاد مهملة ، وهو البريق ، والمراد أثر الطيب لا جرمه ، وقال الإسماعيلي : الوبيص زيادة على البريق ، والمراد به التلألؤ ، وهو يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط .

قوله : ( في مفارق ) جمع مفرق ، وهو وسط الرأس ، وإنما جمع تعميما لجوانب الرأس التي يفرق فيها ، وقال الجوهري : قولهم للمفرق مفارق ، كأنهم جعلوا كل موضع منه مفرقا . قوله : ( وهو محرم ) الواو فيه للحال . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج به أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وزفر في أن المحرم إذا تطيب قبل إحرامه بما شاء الطيب مسكا كان ، أو غيره ، فإنه لا بأس به ، ولا شيء عليه ، سواء كان مما يبقى عليه بعد إحرامه ، أو لا ، ولا يضره بقاؤه عليه ، وبه قال الشافعي وأصحابه ، وأحمد ، والثوري ، والأوزاعي ، وهو قول عائشة راوية الحديث ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وابن جعفر ، وأبي سعيد الخدري ، وجماعة من التابعين بالحجاز ، والعراق ، وفي ( شرح المهذب ) استحبه عند إرادة الإحرام معاوية ، وأم حبيبة ، وابن المنذر ، وإسحاق ، وأبو ثور ، ونقله ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وإبراهيم في رواية ، وذكره ابن حزم عن البراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، وأبي ذر ، والحسين بن علي ، وابن الحنفية ، والأسود ، والقاسم ، وسالم ، وهشام بن عروة ، وخارجة بن زيد ، وابن جريج ، وقال آخرون منهم : عطاء ، والزهري ، وسعيد بن جبير ، وابن سيرين ، والحسن : لا يجوز أن يتطيب المحرم قبل إحرامه بما يبقى عليه رائحته بعد الإحرام ، وإذا أحرم حرم عليه الطيب حتى يطوف بالبيت ، وإليه ذهب محمد بن الحسن ، واختاره الطحاوي ، وهذا مذهب عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وعثمان بن العاص ، وقال الطرطوشي : يكره الطيب المؤنث كالمسك ، والزعفران ، والكافور ، والغالية ، والعود ونحوها ، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية ، فإن أكل طعاما فيه طيب ، فإن كانت النار مسته ، فلا شيء عليه ، وإن لم تمسه النار ، ففيه وجهان ، وأما غير المؤنث مثل الرياحين ، والياسمين ، والورد فليس من ذلك ، ولا فدية فيه أصلا ، والطيب المؤنث طيب النساء كالخلوق ، والزعفران ، قاله شمر ، وأما شم الريحان ، ففي ( شرح المهذب ) الريحان الفارسي ، والمرزنجوش ، واللينوفر ، والنرجس فيها قولان أحدهما : يجوز شمها لما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن المحرم يدخل البستان ، قال : نعم ويشم الريحان ، والثاني : لا يجوز ؛ لأنه يراد للرائحة ، فهو كالورد ، والزعفران ، والأصح تحريم شمها ، ووجوب الفدية ، وبه قال ابن عمر ، وجابر ، والثوري ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وأبو ثور .

إلا أن أبا حنيفة ، ومالكا يقولان يحرم ، ولا فدية ، وقال ابن المنذر : ج٤ / ص١٥٧واختلف في الفدية عن عطاء ، وأحمد ، وممن جوزه ، وقال هو حلال ، ولا فدية فيه عثمان ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق رضي الله تعالى عنهم ، قال العبدري : وهو قول أكثر العلماء ، وفي ( التوضيح ) الحناء عندنا ليس طيبا خلافا لأبي حنيفة ، وعند مالك ، وأحمد فيه الفدية ، وقالت عائشة : وكان صلى الله عليه وسلم يكره ريحه ، أخرجه ابن أبي عاصم في ( كتاب الخضاب ) ، وكان يحب الطيب فلو كان طيبا لم يكرهه ، ( قلت ) : روى أبو يعلى في ( مسنده ) عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اختضبوا بالحناء ، فإنه طيب الريح يسكن الدوخة ، وأما الطيب بعد رمي الجمرة ، فقد رخص فيه ابن عباس ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن الزبير ، وعائشة ، وابن جبير ، والنخعي ، وخارجة بن زيد ، وهو قول الكوفيين ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وكرهه سالم ، ومالك ، وقال ابن القاسم ، ولا فدية لما جاء في ذلك ، ولما كان الطحاوي مع محمد بن الحسن فيما ذهب إليه أجاب عن حديث الباب الذي احتج به أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وآخرون ، فقال : وكان من الحجة له ، أي : لمحمد بن الحسن في ذلك أن ما ذكر في حديث عائشة من تطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الإحرام إنما فيه أنها كانت تطيبه إذا أراد أن يحرم ، فقد يجوز أن يكون كانت تفعل ذلك به ، ثم يغتسل إذا أراد أن يحرم فيذهب بغسله عنه ما كان على بدنه من طيب ، ويبقى فيه ريحه وادعى ابن القصار ، والمهلب أنه كان من خواصه صلى الله عليه وسلم ، وزاد المهلب معنى آخر أنه خص به لمباشرته الملائكة بالوحي وغيره ، وقد ذكرناه .

ورد في أحاديث8 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث