باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب
( باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب ) قال أبو عاصم : أخبرنا ابن جريج ، أخبرني عطاء ، عن صفوان بن يعلى ، أخبره أن يعلى قال لعمر رضي الله عنه : أرني النبي صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه ، قال : فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ، ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ، فجاءه الوحي ، فأشار عمر رضي الله عنه إلى يعلى فجاء يعلى ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به ، فأدخل رأسه ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه وهو يغط ، ثم سري عنه ، فقال : أين الذي سأل عن العمرة ، فأتي برجل ، فقال : اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات ، وانزع عنك الجبة ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك ، قلت لعطاء : أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات ؟ قال : نعم . ج٤ / ص١٥٠مطابقته للترجمة في قوله : ( اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات ) ، قال الإسماعيلي : ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب ، كما في الترجمة ، وإنما فيه أن الرجل كان متضمخا ، وقوله له : اغسل الطيب الذي بك يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه ، وإنما كان على بدنه ، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام .
انتهى ، قلت ) : قوله : ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب ، كما في الترجمة غير مسلم ؛ لأن في الحديث : وهو متضمخ بطيب أعم من أن يكون على بدنه ، أو على ثوبه ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : اغسل الطيب الذي بك أعم من أن يكون على بدنه ، أو على ثوبه على أن الخلوق في العادة يكون في الثوب ، والدليل على ما قلنا ما سيأتي في محرمات الإحرام من وجه آخر بلفظ : عليه قميص فيه أثر صفرة ، وروى أبو داود ، والطيالسي في ( مسنده ) عن شعبة ، عن قتادة ، عن عطاء بلفظ : رأى رجلا عليه جبة عليها أثر خلوق ، وروى مسلم ، حدثني إسحاق بن منصور ، قال : أخبرنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد ، حدثنا رباح بن أبي معروف ، قال : سمعت عطاء قال : أخبرني صفوان بن يعلى ، عن أبيه ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل عليه جبة بها أثر من خلوق ، فقال : يا رسول الله ، إني أحرمت بعمرة ، فكيف أفعل ، فسكت عنه ، فلم يرجع إليه ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يستره إذا نزل عليه الوحي يظله ، فقلت لعمر : إني أحب إذا نزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب ، فجئته ، فأدخلت رأسي معه في الثوب ، فنظرت إليه صلى الله عليه وسلم ، فلما سري عنه ، قال : أين السائل آنفا عن العمرة؟ فقام إليه الرجل ، فقال : انزع عنك جبتك ، واغسل أثر الخلوق الذي بك ، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلا في حجك ، وهذا ينادي بأعلى صوته أن أثر الخلوق كان على ثوب الرجل ، ولم يكن على بدنه ، وفي رواية أبي علي الطوسي : عليه جبة فيها ردع من زعفران.. . الحديث ، وروى البيهقي من حديث أبي داود الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عطاء ، عن يعلى مرفوعا : رأى رجلا عليه جبة عليها أثر خلوق ، أو صفرة ، فقال : اخلعها عنك واجعل في عمرتك ما تجعل في حجك ، قال قتادة : فقلت لعطاء : كنا نسمع أنه قال : شقها ، قال : هذا فساد ، والله لا يحب الفساد ، وعند أبي داود : فأمره أن ينزعها نزعا ويغسلها مرتين ، أو ثلاثا ، وعنده : فخلعها من رأسه ، وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم ، أخبرنا عبد الملك ، ومنصور وغيرهما عن عطاء ، عن يعلى بن أمية أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أحرمت ، وعلي جبتي هذه ، وعلى جبته درع من خلوق.. . الحديث ، وفيه ، فقال : اخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران ، فهذه الأحاديث كلها ترد على الإسماعيلي أن الطيب لم يكن على ثوبه ، وإنما كان على بدنه ، ( فإن قلت ) : سلمنا هذا كله ، وكيف توجد المطابقة بين الحديث والترجمة ، وفيها لفظ الخلوق ، وليس في حديث الباب إلا لفظ الطيب ، ( قلت ) : جرت عادة البخاري أن يبوب بما يقع في بعض طرق الحديث الذي يورده ، وإن لم يخرجه ، وهو في أبواب العمرة بلفظ ، وعليه أثر الخلوق ، على أن الخلوق ضرب من الطيب ، كما ذكرنا .
( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، الأول : أبو عاصم النبيل ، واسمه الضحاك بن مخلد ، وهو من شيوخ البخاري من أفراده ، وهذا بصورة التعليق ، وبذلك جزم الإسماعيلي ، فقال : ذكره عن أبي عاصم بلا خبر ، وقال أبو نعيم : ذكره بلا روية ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ العراقية ، حدثنا محمد ، قال : حدثنا أبو عاصم ، فهو إما محمد بن المثنى المعروف بالزمن ، وإما محمد بن معمر البحراني ، وإما محمد بن بشار بإعجام الشين . الثاني : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وقد تكرر ذكره . الثالث : عطاء بن أبي رباح كذلك .
الرابع : صفوان بن يعلى بن أمية ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وروى له الجماعة سوى ابن ماجه . الخامس : أبوه يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي أبو خلف ، وأبو خالد ، أو أبو صفوان ، وهو المعروف بيعلى بن منية بضم الميم ، وسكون النون ، وفتح الياء آخر الحروف ، ويقال منية جدته ، وهي منية بنت غزوان أخت عتبة بنت غزوان ، ويقال منية بنت جابر أسلم يوم الفتح ، وشهد الطائف وحنينا ، وتبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه له تسعة عشر حديثا ، قتل بصفين . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه ، قال أبو عاصم ، وهو تعليق ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن أبا عاصم بصري ، والبقية مكيون ، وهذا الإسناد منقطع ؛ لأنه قال : إن يعلى قال لعمر ، ولم يقل إن يعلى أخبره أنه قال لعمر : اللهم إلا إذا كان صفوان حضر مراجعتهما فيكون متصلا ، وقال ابن عساكر : رواه عباس بن الوليد النرسي ، عن داود العطار ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن يعلى بن أمية ، أو صفوان بن يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل : ج٤ / ص١٥١عن أبيه ، ورواه قيس ، عن عطاء ، عن صفوان ، عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة هو مصفر لجبته ورأسه ، وعليه جبة ، وفي رواية همام عن عطاء ، عن صفوان ، عن أبيه.. .
الحديث ، وفيه جبة عليها خلوق ، أو أثر صفرة . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا عن أبي الوليد في فضائل القران عن أبي نعيم ، وفي المغازي عن يعقوب بن إبراهيم ، وفي فضائل القران أيضا عن مسدد ، وأخرجه مسلم في الحج عن شيبان بن فروخ ، وعن زهير بن حرب ، وعن عبد بن حميد ، وعن علي بن حشرم ، وعن محمد بن يحيى ، وعن إسحاق بن منصور ، وعن عقبة بن مكرم ، ومحمد بن رافع ، وأخرجه أبو داود فيه عن عقبة بن مكرم ، وعن محمد بن كثير ، وعن محمد بن عيسى ، وعن يزيد بن خالد ، وأخرجه الترمذي فيه عن أبي عمر به ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي فضائل القران عن روح بن حبيب ، وعن محمد بن منصور ، وعبد الجبار ، وعن محمد بن إسماعيل ، وعن عيسى بن حماد . ( ذكر معناه ) : قوله : ( أرني ) من الإراءة يقتضي مفعولين أحدهما هو نون المتكلم ، والآخر هو قوله : النبي .
قوله : ( بينما النبي قد مر ) غير مرة أن أصل بينما بين زيدت فيه الميم والألف ، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة ، وكذلك بينا بدون الميم ، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ، أو مبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وهنا الجملة مبتدأ وخبر ، وهما قوله : ( النبي بالجعرانة ) ، وقوله : ( جاء رجل ) جوابه ، والجعرانة بكسر الجيم ، والعين المهملة ، وتشديد الراء ، قال البكري : كذا يقول العراقيون ، ومنهم من يخفف الراء ، ويسكن العين ، وكذا الخلاف في الحديبية ، وهما بين الطائف ومكة ، وهي إلى مكة أدنى ، وقال ابن الأثير : وهي قريب من مكة ، وهي في الحل ، وميقات الإحرام ، وقال ياقوت : هي غير الجعرانة التي بأرض العراق ، قال سيف بن عمر : نزلها المسلمون لقتال الفرس ، وقال يوسف بن ماهك : اعتمر بها ثلاثمائة نبي عليهم الصلاة والسلام ، يعني : بالجعرانة التي بقرب مكة . قوله : ( ومعه نفر من أصحابه ) الواو فيه للحال ، أي : مع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه ، وكان هذا بالجعرانة ، كما ثبت هنا ، وفي غيره في منصرفه صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين ، وفي ذلك الموضع قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمها ، وذلك في سنة ثمان ، كما ذكره ابن حزم وغيره ، وهما موضعان متقاربان . قوله : ( جاءه رجل ) ، وفي لفظ للبخاري سيأتي : جاءه أعرابي ، ولم يعرف اسمه ، ونقل بعضهم في ( الذيل عن تفسير الطرطوشي ) أن اسمه عطاء بن منبه ، فقال : إن ثبت هذا ، فهو أخو يعلى راوي الخبر ، قيل : يجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي ، فإنه من رواية عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن منبه ، عن أبيه ، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدا ، وقال صاحب ( التوضيح ) هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد ، إذ في ( كتاب الشفاء ) للقاضي عياض عنه ، قال : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق ) ، فقال : ورس ورس حط حط وغشيني بقضيب بيده في بطني ، فأوجعني.. .
الحديث ، لكن عمرو هذا لا يدرك ذا ، فإنه صاحب ابن وهب . انتهى ، واعترض بعض تلامذته عليه من وجهين ، أما أولا : فليست هذه القضية شبيهة بهذه القضية حتى يفسر صاحبها بها ، وأما ثانيا : ففي الاستدراك غفلة عظيمة ؛ لأن من يقول أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لا يتخيل فيه أنه صاحب ابن وهب ، صاحب مالك ، بل إن ثبت ، فهو آخر وافق اسمه اسمه ، واسم أبيه اسم أبيه ، والغرض أنه لم يثبت قال ؛ لأنه انقلب على شيخنا ، وإنما الذي في ( الشفاء ) سواد بن عمرو . انتهى ، ( قلت ) : رأيت بخط بعض من أخذ عنه هذا المعترض على هامش الورقة التي في هذا الموضع من ( كتاب التوضيح ) ، قال : فائدة الذي في الشفاء سواد بن عمر ، وذكره في الباب الثاني من القسم الثالث ولفظه ، وأما حديث سواد بن عمرو : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق ، فقال : ورس ورس حط حط وغشيني بقضيب في يده ، فأوجعني ، فقلت القصاص يا رسول الله ، فكشف لي عن بطنه إنما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لمنكر رآه ، ولعله لم يرد بضربه بالقضيب إلا تنبيهه ، فلما كان منه إيجاع لم يقصده طلب التحلل منه ، ولما ذكر هذا أنكر عليه ونسبه إلى التخبط ، وإلى كلام لا معنى له .
قوله : ( وهو متضمخ بطيب ) الواو فيه للحال ومتضمخ بالضاد ، والخاء المعجمتين ، يقال تضمخ بالطيب إذا تلطخ به ، وتلوث به . قوله : ( وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الواو فيه للحال . قوله : ( قد أظل به ) بضم الهمزة ، وكسر الظاء المعجمة ، أي : جعل عليه كالظلة ، وهذه الجملة حالية ، ويجوز أن تكون محلها الرفع على أنه صفة لثوب .
قوله : ( فإذا رسول الله ) كلمة إذا للمفاجأة . قوله : ( وهو يغط ) الواو فيه للحال ويغط بفتح الياء ، وكسر الغين المعجمة بعدها طاء مهملة . ج٤ / ص١٥٢أي ينفخ ، وهو من الغطيط ، وهو صوت النفس المتردد من النائم ، ويقال : الغطيط صوت به بحوحة ، وهو كغطيط النائم ، أي : شخيره وصوته الذي يردده في حلقه ، ومع نفسه ، وسبب ذلك شدة الوحي ، وثقله ، وهو كقوله تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا قوله : ( ثم سري عنه ) بضم السين المهملة ، وكسر الراء المشددة ، أي : كشف عنه شيئا بعد شيء بالتدريج ، وقال الكرماني : روي بتخفيف الراء المكسورة ، وتشديدها ، والرواية بالتشديد أكثر .
قوله : ( اغسل الطيب الذي بك ) قد قلنا إنه أعم من أن يكون بثوبه ، أو بدنه . قوله : ( ثلاث مرات ) مبالغة في الإزالة ، ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كان كثيرا ، ويؤيده قوله : ( متضمخ ) ، ( قلت ) : لأن باب التفعل وضع للمبالغة ، قال القاضي : يحمل قوله : ثلاث مرات على قوله : فاغسله ، فكأنه قال : اغسله اغسله اغسله ثلاث مرات يدل على صحته ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا . انتهى ، وفي رواية أبي داود أمره أن ينزعها نزعا ويغتسل مرتين ، أو ثلاثا .
قوله : ( واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك ) ، وفي رواية الكشميهني ( ، كما تصنع ) ، وفي لفظ للبخاري في أبواب العمرة ( كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ) ، وفي مسلم من طريق قيس بن سعد عن عطاء ( وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك ) ، ويدل هذا على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك ، وقال ابن العربي : كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا ، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن مجراهما واحد ، وقال ابن بطال : أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة ، وقال النووي : كما قاله ، وزاد : ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج ، وقال الباجي : المأجور غير نزع الثوب وغسل الخلوق ؛ لأنه صرح له بهما ، فلم يبق إلا الفدية ، وفيه نظر ؛ لأن فيه حصرا ، وقد تبين فيما رواه مسلم من أن المأمور به الغسل ، والنزع ، وذلك في روايته من طريق سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى ، عن أبيه ، قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني : رجلا ، وهو بالجعرانة ، وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه مقطفات ، يعني : جبة ، وهو متضمخ بالخلوق ، فقال : أني أحرمت بالعمرة ، وعلي هذا ، وأنا متضمخ بالخلوق ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت صانعا في حجك؟ قال : أنزع عني هذه الثياب ، وأغسل عني هذا الخلوق ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك . قوله : ( فقلت لعطاء ) القائل هو ابن جريج . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز نظر الرجل إلى غيره وهو مغطى بشيء ، وإدخال رأسه في غطائه إذا علم أنه لا يكره ذلك منه ، فإن يعلى أدخل رأسه فيما أظل به صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يكره ذلك في ذلك الوقت ؛ لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم ، وكذلك عمر رضي الله تعالى عنه علم ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى قال للرجل تعال فانظر ، وفيه أن المفتي إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه ، وفيه أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر الرجل بالفدية ، فأخذ به الشافعي ، والثوري ، وعطاء ، وإسحاق ، وداود ، وأحمد في رواية ، وقالوا : إن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه جاهلا فلا فدية عليه ، والناسي في معناه ، وقال أبو حنيفة ، والمزني في رواية عنه : يلزمه إذا غطى رأسه ووجهه متعمدا ، أو ناسيا يوما إلى الليل ، فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدق بها ، وعن مالك يلزمه إذا انتفع بذلك ، أو طال لبسه عليه ، وفيه المبالغة في الإنقاء من الطيب ، وفيه أن المحرم إذا كان عليه مخيط نزعه ، ولا يلزمه تمزيقه ، ولا شقه خلافا للنخعي ، والشعبي حيث قالا : لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيا رأسه ، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما ، وعن علي رضي الله تعالى عنه نحوه ، وكذا عن الحسن ، وأبي قلابة ، وقد وقع عند أبي داود رضي الله تعالى عنه بلفظ ( اخلع عنك الجبة فخلعها من قبل رأسه ) ، وعن أبي صالح ، وسالم يخلعه من قبل رجليه ، وعن جعفر بن محمد ، عن علي رضي الله تعالى عنه إذا أحرم وعليه قميص لا ينزعه من رأسه ، بل يشقه ، ثم يخرج منه ، وفيه اختلف العلماء في استعمال الطيب عند الإحرام ، واستدامته بعده ، فكرهه قوم ، ومنعوه منهم : مالك ، ومحمد بن الحسن ، ومنعهما عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وعثمان بن أبي العاص ، وعطاء ، والزهري ، وخالفهم في ذلك آخرون ، فأجابوه ، منهم أبو حنيفة ، والشافعي تمسكا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم ، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت ) ، ولمسلم بذريرة في حجة الوداع ، وفي رواية للبخاري ، كما سيأتي ( وطيبته بمنى قبل أن يفيض ) ، وعنها ( ، كأني ج٤ / ص١٥٣أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ) ، والوبيص بالصاد المهملة البريق ، واللمعان قالا : وحديث يعلى إنما أمره بغسل ما عليه ؛ لأن ذلك الطيب كان زعفرانا ، وقد نهى الرجال عن الزعفران ، وجواب آخر بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة ، كما ثبت في هذا الحديث ، وهي في سنة ثمان بلا خلاف ، وحديث عائشة المذكور في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف ، وإنما يؤخذ بالآخر ، فالآخر من الأمر ، ( فإن قلت ) : إن ذلك الوبيص الذي أبصرته عائشة إنما كان بقايا ذلك الطيب ، وقد تعذر قلعها ، فبقي بعد أن غسل ، وأيضا كان ذلك من خواصه ؛ لأن المحرم إنما منع من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع ، والشارع معصوم ، وأيضا كان مما لا تبقى رائحته بعد الإحرام ، ( قلت ) : قد ذكرنا أن ذلك الطيب كان زعفرانا ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الزعفران مطلقا ، سواء كان في الحل ، أو الحرمة ، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل ، وقد روى ابن حزم من طريق حماد بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، عن سالم بن عبد الله ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ( طيبته صلى الله عليه وسلم بيدي ) ، وروي أنهن كن يضمخن جباههن بالمسك ، ثم يحرمن ، ثم يعرقن فيسيل على وجوههن ، فيرى ذلك صلى الله عليه وسلم ، فلا ينكره .