حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب التلبية

ج٤ / ص١٧٢( باب التلبية )

142 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنها في كيفية التلبية ، وهذه التي رواها ابن عمر ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هي كيفية التلبية ، ولم يتعرض البخاري لحكم التلبية ، وفيها أقوال على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى . والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضا عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن مالك ، والكلام فيه على وجوه .

الأول : في معناه . قوله : ( لبيك اللهم ) ، يعني : يا الله أجبناك فيما دعوتنا ، وقيل : إنها إجابة للخليل عليه الصلاة والسلام ، كما ذكرناه ، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : ( لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له : أذن في الناس بالحج ، قال رب ، وما يبلغ صوتي ، قال : أذن وعلي البلاغ ، قال : فنادى إبراهيم صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق ، فسمعه من بين السماء والأرض ، أفلا ترون الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون ، ومن طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وفيه : وأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال ، وأرحام النساء ، وأول من أجابه أهل اليمن ، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم صلى الله عليه وسلم يومئذ . قوله : ( إن الحمد ) روي بكسر الهمزة ، وفتحها ، أما وجه الكسر فعلى الاستئناف ، وهو ابتداء كلام ، كأنه لما قال لبيك استأنف كلاما آخر ، فقال : إن الحمد والنعمة لك ، وهو الذي اختاره محمد بن الحسن ، والكسائي رحمهما الله تعالى ، وأما وجه الفتح فعلى التعليل ، كأنه يقول : أجبتك ؛ لأن الحمد والنعمة لك ، والكسر أجود عند الجمهور ، قال ثعلب : لأن من كسر جعل معناه : إن الحمد لك على كل حال ، ومن فتح قال : معناه لبيك لهذا السبب ، وقال الخطابي : لهج العامة بالفتح ، وحكاه الزمخشري عن الشافعي ، وقال ابن عبد البر : ج٤ / ص١٧٣المعنى عندي واحد ؛ لأن من فتح أراد لبيك ؛ لأن الحمد لك على كل حال ، واعترض عليه ؛ لأن التقييد ليس في الحمد ، وإنما هو في التلبية ، وقال ابن دقيق العيد : الكسر أجود ؛ لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة ، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال ، والفتح يدل على التعليل ، فكأنه يقول : أجبتك لهذا السبب ، والأول أعم ، وأكثر فائدة .

قوله : ( والنعمة لك ) المشهور فيه النصب ، قال عياض : ويجوز فيه الرفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفا ، والتقدير : إن الحمد لك ، والنعمة مستقرة لك ، نقله عن ابن الأنباري . قوله : ( والملك ) أيضا بالنصب على المشهور ، ويجوز الرفع ، وتقديره : والملك كذلك ، والملك بضم الميم ، والفرق بينه وبين الملك بكسر الميم ..... . الوجه الثاني : أن الحكمة في مشروعية التلبية هي التنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه عز وجل ، ( فإن قلت ) : لم قرن الحمد بالنعمة ، وأفرد الملك ؟ ( قلت ) : لأن الحمد متعلق بالنعمة ، ولهذا يقال : الحمد لله على نعمه ، فجمع بينهما ، كأنه قال : لا حمد إلا لك ؛ لأنه لا نعمة إلا لك ، وأما الملك ، فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله ؛ لأنه صاحب الملك .

الوجه الثالث : في حكم التلبية ، ففيه أربعة أقوال قد ذكرناها في أواخر الباب السابق . الوجه الرابع : في الزيادة على ألفاظ التلبية المروية عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث المذكور ، قال أبو عمر : أجمع العلماء على القول بهذه التلبية ، واختلفوا في الزيادة فيها ، فقال مالك : أكره الزيادة فيها على تلبية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد روي عنه أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده ، ( قلت ) : روى هذه مسلم ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ، قال : قرأت على مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، قال : وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها لبيك لبيك ، لبيك وسعديك والخير بيديك ، لبيك والرغباء إليك والعمل ، وقال الثوري ، والأوزاعي ، ومحمد بن الحسن : له أن يزيد فيها ما شاء وأحب ، وقال أبو حنيفة ، وأحمد ، وأبو ثور : لا بأس بالزيادة ، وقال الترمذي : قال الشافعي : إن زاد في التلبية شيئا من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله ، وأحب إلي أن يقتصر ، وقال أبو يوسف ، والشافعي في قول : لا ينبغي أن يزاد فيها على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة ، وإليه ذهب الطحاوي ، واختاره ، وقد زاد جماعة في التلبية منهم ابن عمر ، ومنهم أبوه عمر بن الخطاب زاد هذه الزيادة التي جاءت عن ابنه عبد الله بن عمر ، ولعل عبد الله أخذها من أبيه ، فإنه رواها عنه ، كما هو متفق عليه ، ومنهم ابن مسعود ، فروي عنه أنه لبى ، فقال : لبيك عدد الحصى والتراب ، وروى أبو داود ، وابن ماجه من حديث جابر ، قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر التلبية ، قال : والناس يزيدون ذا المعارج ، ونحوه من الكلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ، فلا يقول لهم شيئا ، وروى سعيد بن المنصور في ( سننه ) بإسناده إلى الأسود بن يزيد أنه كان يقول : لبيك غفار الذنوب لبيك ، وفي ( تاريخ مكة ) للأزرقي صفة تلبية جماعة من الأنبياء عليهم السلام ، رواه من رواية عثمان بن ساج ، قال : أخبرني صادق أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقد مر بفج الروحاء سبعون نبيا تلبيتهم شتى ، منهم يونس بن متى ، وكان يونس يقول : لبيك فراج الكرب لبيك ، وكان موسى صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك أنا عبدك لديك لبيك ، قال : وتلبية عيسى عليه السلام : أنا عبدك ، وابن أمتك بنت عبديك لبيك ،

وروى الحاكم في ( المستدرك ) من رواية داود بن أبي هند عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات ، فلما قال : لبيك اللهم لبيك ، قال : إنما الخير خير الآخرة ، وقال : هذا حديث صحيح ، ولم يخرجاه
،
وروى الدارقطني في العلل من رواية محمد بن سيرين عن يحيى بن سيرين عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لبيك حجا حقا تعبدا ورقا ، وفي هذا الحديث نكتة غريبة ، وهو أنه اجتمع فيه ثلاثة إخوة يروي بعضهم عن بعض ، ولا يعرف هذا في غير هذا الحديث
. قوله في حديث مسلم : وسعديك ، معناه مساعدة لطاعتك بعد مساعدة .

قوله : والرغباء ، قال أبو المعاني في ( المنتهى ) الرغب ، والرغبة ، والرغب بالتحريك اتساع الإرادة ، ورغبت فيه أوسعته إرادة ، وأرغبت لغة ، والرغبى والرغباء مثل النعمى والنعماء اسمان منه إذا فتحت مددت ، وإذا ضممت قصرت ، وفي ( المحكم ) الرغب ، والرغب ، والرغب ، والرغبة ، والرغبوت ، والرغبي ، والرغبا ، والرغباء الضراعة والمسألة ، وقد رغب إليه ورغب هو عن ابن الأعرابي ودعا الله رغبة ورغبة ، وقيل : هي الرغبى مثل سكرى ، والعمل فيه حذف تقديره : والعمل إليك ، أي : إليك القصد به ، والانتهاء به إليك لنجازى عليه .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث