باب الإهلال مستقبل القبلة
( باب الإهلال مستقبل القبلة ) ج٤ / ص١٧٩146 - وقال أبو عمر : حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى بالغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ، ثم ركب ، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ، ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح ، فإذا صلى الغداة اغتسل ، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك . مطابقته للترجمة في قوله : فإذا استوت به استقبل القبلة ، وأبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد البصري ، وعبد الوارث بن سعيد ، وأيوب السختياني ، والكل قد ذكروا غير مرة ، وهذا تعليق وصله أبو نعيم في ( المستخرج ) من طريق عباس الدوري عن أبي معمر ، وقال ذكره البخاري بلا رواية ، ورواه مسلم في ( صحيحه ) عن أبي الربيع عن حماد ، عن أيوب .
قوله : ( إذا صلى بالغداة ) ، أي : إذا صلى الصبح بوقت الغداة ، وفي رواية الكشميهني إذا صلى الغداة ، أي : صلاة الغداة ، وهي الصبح . قوله : ( فرحلت ) بناء على المجهول بالتخفيف . قوله : ( قائما ) نصب على الحال ، أي : منتصبا غير مائل على ناقته ، وقيل : وصفه بالقيام لقيام راحلته ، وقيل : روي بلفظ فإذا استوت به راحلته قائمة ، وقال الداودي : أي : استقبل القبلة قائما في الصلاة ، وفي السياق تقديم وتأخير ، والتقدير : أمر براحلته فرحلت ، ثم استقبل القبلة قائما ، أي : فصلى ، ثم ركب ، ورد بأنه تعسف ، فلا حاجة إلى هذا التقدير لعدم ذكر صلاة الإحرام فيه ، والاستقبال إنما وقع بعد الركوب ، وقد رواه ابن ماجه ، وأبو عوانة في ( صحيحه ) من طريق عبيد الله بن عمر ، عن نافع بلفظ كان إذا أدخل رجله في الغرز فاستوت به ناقته قائمة أهل .
قوله : ( ثم يمسك ) ، أي : عن التلبية ، وليس المراد بالإمساك عن التلبية تركها أصلا ، وإنما المراد التشاغل بغيرها من الطواف وغيره ، وقد روي أن ابن عمر كان لا يلبي في طوافه ، كما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) من طريق عطاء ، قال : كان ابن عمر رضي الله تعالى عنه يدع التلبية إذا دخل الحرم ، ويراجعها بعدما يقضي طوافه بين الصفا والمروة . قوله : ( ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ) ، أي : بعدما ركب راحلته يلبي ، ولا يقطعها حتى يبلغ الحرم ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : وقت الإمساك هو صبيحة يوم العيد في منى لا بلوغ الحرم ، ( قلت ) : ليس الغرض منه هاهنا بيان وقت على الخصوص ، فلهذا أجمل ، أو أراد بالحرم منى ، أو كان ذلك عند التمتع ، واعترض عليه بأنه يشكل عليه قوله في رواية إسماعيل بن علية ( إذا دخل أدنى الحرم ) ، ( قلت ) : إذا أريد بالحرم ظاهره لا يبقى الإشكال ، وقال بعضهم : المراد بالإمساك ترك تكرار التلبية لا تركها أصلا ، ( قلت ) : مذهب ابن عمر أنه كان يتركها إذا دخل الحرم ، ولا يفهم من ظاهر الكلام إلا تركها لا ترك تكرارها ؛ لأن بين تركها ، وبين ترك تكرارها فرقا ، وتارك تكرارها لا يسمى تاركا للتلبية . قوله : ( ثم يمسك ) حتى إذا جاء هي غاية لقوله استقبل ، وقال الكرماني : أو يكون المراد بالحرم هو المتبادر إلى الذهن ، وهو أول جزء منه ، يعني : يمسك فيما بين أوله ، وذي طوى ، فحتى على هذا الوجه غاية لقوله يمسك .
قوله : ( ذا طوى ) منصوب ؛ لأنه مفعول جاء ، وذي طوى بضم الطاء ، وفتحها ، وكسرها وقيدها الأصيلي بكسرها ، وبتخفيف الواو واد معروف بقرب مكة ، وقال النووي : هو موضع عند باب مكة بأسفلها في صوب طريق العمرة المعتادة ، ومسجد عائشة ، ويعرف اليوم بآبار الزاهد يصرف ، ولا يصرف ، وقال أيضا : إنه مقصور منون ، وفي ( التوضيح ) هو ربض من أرباض مكة ، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه ، والمد أيضا ، وقال السهيلي : واد بمكة في أسفلها ، وذو طواء ممدودا وموضع بطريق الطائف ، وقيل : واد ، وقال الكرماني : ويروى حتى إذا حاذى طوى من المحاذاة ، وبحذف كلمة ذي ، والأول هو الصحيح ؛ لأن اسم الموضع ذو طوى لا طوى ، وفي كتاب ( الأذواء ) ذو طوى موضع بظاهر مكة به بئار يستحب لمن يدخل مكة أن يغتسل منها قوله : ( بات به ) ، أي : بذي طوى ، أي : فيه . قوله : ( حتى يصبح ) ، أي : إلى أن يدخل في الصباح . قوله : ( فإذا صلى الغداة ) ، أي : صلاة الغداة ، وهي الصبح .
قوله : ( اغتسل ) جواب إذا . قوله : ( وزعم ) ، أي : قال ، ويطلق الزعم على القول الصحيح ، وسيأتي في باب الاغتسال عند دخول مكة ، فقال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ، ثم يبيت بذي طوى ، ثم يصلي به الصبح ويغتسل ، ويحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ،
وروى الحاكم ج٤ / ص١٨٠من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اغتسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ثم لبس ثيابه ، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ، ثم قعد على بعيره ، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج ، وقال صحيح الإسناد. ( ومما يستفاد من الحديث ) : استقبال القبلة عند الإهلال لاستقبال دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بمكة ، فلذلك يلبي الداعي أبدا بعد أن يستقبل بالوجه ؛ لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره من يدعوه ، ثم يلبيه ، بل يستقبله في موضعه الذي دعي منه ، وفيه استحباب الإحرام عقيب الصلاة ، وفي ( التلويح ) لا خلاف أن المبيت بذي طوى ودخول مكة نهارا ليس من المناسك ، لكن إن فعله اقتداء بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتبعا لآثاره كان ثوابه في ذلك جزيلا ، وفي ( شرح المهذب ) لمن هي طريقه مستحب ، ودخول مكة نهارا أفضل من الليل ، وهو الصحيح عند الأكثرين من الشافعية ، وقال بعض الشافعية : هما سواء ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها في عمرة الجعرانة ليلا ، ( قلت ) : هو المذكور في ( الهداية ) عن أبي حنيفة ، وفيه الاغتسال ، وقال النووي : الاغتسال المذكور سنة ، قال : فإن عجز عنه تيمم ، وتكون نيته في ذلك غسل دخول مكة ، وقال في ( مناسك الكرماني ) هذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض ، والنفساء ، والصبي ، وقال ابن حزم : لا يلزم الغسل فرضا في الحج إلا المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت ، فهذه تغتسل ولا بد ، والمرأة تلد قبل أن تهل بالعمرة ، أو بالقران ففرض عليها أن تغتسل ، وتهل ، وفي ( الاستذكار ) ما أعلم أحدا من المتقدمين أوجب الاغتسال عند الإحرام بالعمرة ، أو الحج إلا الحسن بن أبي الحسن ، وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول أهل الظاهر ، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه ، وقال أبو عمر : هو سنة مؤكدة عند مالك ، وأصحابه لا يرخصون في تركه إلا من عذر ، وعن عبد الملك هو لازم ، إلا أنه ليس في تركه ناسيا ، ولا عامدا دم ، ولا فدية ، وقال ابن خوازمند : هو عند مالك أوكد من غسل الجمعة ، وقال أبو حنيفة ، والأوزاعي ، والثوري يجزيه الوضوء ، وهو قول إبراهيم ، وفي ( سنن سعيد بن منصور ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : ذكر عن إبراهيم إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية ما دام يطوف بالبيت ، فقال إبراهيم : لا ، بل يلبي قبل الطواف ، وفي الطواف ، وبعد الطواف ، ولا يقطعها حتى يرمي الجمرة ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، إلا أن أبا حنيفة ، والشافعي قالا : يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجمرة ، وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى ، وقال قوم : يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم ، وقال آخرون : لا يقطعها حتى يرى بيوت مكة ، وقالت طائفة : حتى يدخل بيوت مكة ، وقال أبو حنيفة : لا يقطعها حتى يستلم الحجر لما رواه أحمد عن هشيم ، حدثنا حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الحجر ، وقال الليث : إذا بلغ الكعبة قطع التلبية ، وقال الشافعي : لا يقطعها حتى يفتتح الطواف ، وقال مالك : من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم ، فإن أحرم من الجعرانة ، أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة ، أو إذا دخل المسجد ، وروي عن ابن عباس لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الركن ، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة .
( تابعه إسماعيل ، عن أيوب في الغسل )