باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي
( باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي ) 154 - حدثنا عثمان ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج ، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل ، فحل من لم يكن ساق الهدي ، ونساؤه لم يسقن فأحللن ، قالت عائشة رضي الله عنها : فحضت فلم أطف بالبيت ، فلما كانت ليلة الحصبة قالت : يا رسول الله ، يرجع الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة ، قال : وما طفت ليالي قدمنا مكة ؟ قلت : لا ، قال : فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك كذا وكذا ، قالت صفية : ما أراني إلا حابستهم ، قال : عقرى حلقى أوما طفت يوم النحر ؟ قالت : قلت : بلى ، قال : لا بأس انفري ، قالت عائشة رضي الله عنها : فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها . مطابقته للترجمة في الجزء الأخير منها وهو قوله : " وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي " في قوله : فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ج٩ / ص١٩٦من لم يكن ساق الهدي أن يحل ، أي من الحج إلى العمرة ، وهذا هو فسخ الحج .
ورجاله قد ذكروا في باب من سأل في كتاب العلم ، وعثمان هو ابن أبي شيبة ، وجرير بفتح الجيم ابن عبد الحميد ، ومنصور بن المعتمر ، وإبراهيم النخعي ، والأسود بن يزيد خال إبراهيم ، وكلهم كوفيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن أبي النعمان ، عن أبي عوانة ، عن جرير . وأخرجه مسلم في الحج أيضا ، عن زهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن جرير به .
وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة به . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن قدامة عن جرير به . ( ذكر معناه ) قوله : ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ) وكان خروجهم في أشهر الحج كما قد بينه في الحديث الذي مضى في الباب السابق ، قوله : ( ولا نرى ) بضم النون أي ولا نظن ، وقال ابن التين : ضبطه بعضهم بفتح النون وبعضهم بضمها .
وقال القرطبي : كان هذا قبل أن يعلمن بأحكام الإحرام وأنواعه . وقيل : يحتمل أن ذلك كان اعتقادها من قبل أن تهل ، ثم أهلت بعمرة ، ويحتمل أن تريد بقولها ( لا نرى ) حكاية عن فعل غيرها من الصحابة ، وهم كانوا لا يعرفون غيره ، وزعم عياض أنها كانت أحرمت بالحج ثم أحرمت بالعمرة ثم أحرمت بالحج ، ويدل على أن المراد بقولها لا نرى إلا الحج من فعل غيرها ، قوله : ( فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ) تعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والناس غيرها ، لأنها لم تطف بالبيت في ذلك الوقت لأجل حيضها ، وفي رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة : ( خرجنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مهلين بالحج ) ، وفي رواية مسلم من طريق القاسم عنها : ( لا نذكر إلا الحج ) ، وفي رواية للبخاري أيضا كذلك وقد مضت في كتاب الحيض وله أيضا من هذا الوجه ( لبينا بالحج ) وظاهر هذا يقتضي أن عائشة كانت مع الصحابة أولا محرمين بالحج لكن في رواية عروة عنها هنا ( فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج ) . فإن قلت : ما وجه هذا ؟ قلت : يحمل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج ، فيخرجون لا يعرفون إلا الحج ، فلذلك قالت : ( مهلين بالحج ) ولا نرى إلا أنه الحج ، ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج .
فإن قلت : قد مر في كتاب الحيض أنها قالت : أهللت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فكنت فيمن تمتع ولم يسق الهدي ، قلت : الجواب عنه ما قاله عياض الذي قد ذكرناه آنفا ، وكذلك الجواب عن قولها : ( وكنت ممن أهل بعمرة ) وقد مضى في كتاب الحيض ، وسيأتي في المغازي ، وادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة ، وأن الصواب رواية الأسود والقاسم وعروة عنها أنها أهلت بالحج مفردا ، ورد عليه بأن قول عروة صريح أنها أهلت بعمرة ، وقول الأسود وغيره عنها لا نرى إلا الحج فليس بصريح في إهلالها بحج مفرد ، فالجمع بينهما بما ذكرناه ، فلا يحتاج إلى تغليط عروة وهو أعلم الناس بحديثها . قوله : ( أن يحل ) أي بأن يحل من الحج وهو بضم الياء من الإحلال ، وهو الخروج من الإحرام ، قال الكرماني : ويروى بأن يحل بفتح الياء ، أي يصير حلالا ، والأول يناسب قولها : ( فأحللن ) والثاني يناسب قولها : ( فحل ) . فإن قلت : قوله : ( فأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ) الفاء فيه تقتضي التعقيب ، فتدل على أن الأمر كان بعد الطواف ، مع أنه قد سبق الأمر بهذا .
قلت : أجاب الكرماني أنه قال : مرتين قبل القدوم وبعده ، فالثاني تكرار للأول وتأكيد له ، قوله : ( ونساؤه لم يسقن ) أي نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقن الهدي ، فلذلك أحللن ، قوله : ( فلم أطف ) قال الكرماني : هذا مناف لقوله : ( تطوفنا ) ثم أجاب بقوله : المراد بلفظ الجمع الصحابة ، وهذا تخصيص لذلك العام . قلت : قد ذكرنا أنها تعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لأنها لم تطف ولم تدخل نفسها فيهم ، فكيف يكون تخصيصا لذلك العام ، ثم قال أيضا : فكيف صح حجها بدون الطواف ؟ فأجاب بأنه ليس المراد طواف ركن الحج بدليل قولها في حديث الباب السابق : ( ثم خرجت من منى فأفضت بالبيت ) . قوله : ( ليلة الحصبة ) أي الليلة التي بعد ليالي التشريق التي ينزل الحجاج فيها في المحصب ، والمشهور في الحصبة سكون الصاد ، وجاء فتحها وكسرها وهي أرض ذات حصى ، قوله : ( وأرجع أنا بحجة ) وفي رواية الكشميهني : ( وأرجع لي بحجة ) قال الكرماني : فما قول من قال : إنها كانت قارنة ؟ فأجاب بقوله : إنهم يرجعون بحج منفرد وأرجع ليس لي عمرة منفردة ، قوله : ( قالت صفية ) هي أم المؤمنين ، سبقت في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة ، قوله : ( ما أراني ) أي ما أظن نفسي إلا حابسة القوم عن التوجه إلى المدينة لأني حضت وما طفت بالبيت ، فلعلهم بسببي ج٩ / ص١٩٧يتوقفون إلى زمان طوافي بعد الطهارة ، وإسناد الحبس إليها على سبيل المجاز ، قوله : ( عقرى حلقى ) قال أبو عبيد : معناه عقرها الله وأصابها وجع في حلقها ، هذا على ما يرويه المحدثون ، والصواب : عقرا وحلقا ، أي مصدرين بالتنوين فيهما ، وقيل له : لم لا يجوز فعلى ؟ قال : لأن فعلى يجيء نعتا ولم يجئ في الدعاء وهذا دعاء .
وقال صاحب المحكم : معناه عقرها الله وحلق شعرها أو أصابها في حلقها بالوجع ، فعقرى هاهنا مصدر كدعوى ، وقيل : معناه تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها ، وهو جمع عقير وهو مثل جريح وجرحى لفظا ومعنى ، وقيل : عقرى عاقر لا تلد ، وحلقى أي مشؤومة ، قال الأصمعي : يقال أصبحت أمه حالقا أي ثاكلا . وقال النووي : وعلى الأقوال كلها هي كلمة اتسعت فيها العرب فصارت تلفظها ولا تريد بها حقيقة معناها التي وضعت له ، كتربت يداه ، وقاتله الله ، قال : إن المحدثين يروونه بالألف التي هي ألف التأنيث ويكتبونه بالياء ولا ينونونه ، وقيل : معناه مشؤومة مؤذية . وقال الأصمعي : يقال ذلك لأمر يعجب منه ، ويقال : امرأة حالق إذا حلقت قومها بشؤمها .
وقال الداودي : يريد أنت طويلة اللسان لما كلمته بما يكره ، وهو مأخوذ من الحلق الذي يخرج منه الكلام . قوله : ( انفري ) بكسر الفاء أي ارجعي واذهبي إذ لا حاجة لك إلى طواف الوداع لأنه ساقط عن الحائض ، قوله : ( فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم ) إلى آخره ، الواو في قوله : ( وهو مصعد ) للحال ، وكذا الواو في قوله : ( وأنا منهبطة ) إنما حكت الأمر على وجهه ، وشك المحدث أي الكلمتين قالت ، وإنما لقيها وهو يريد المحصب وهو يهبط إلى مكة ، والمصعد في اللغة المبتدئ في السير ، والصاعد الراقي إلى الأعلى من الأسفل . ذكر فوائد فيه : ذكر الحج والتمتع ، فالحج إذا ذكر مطلقا يتناول المفرد وغيره من التمتع والقران ، والتمتع الجمع بين الحج والعمرة يتحلل بينهما إن لم يكن سائقا للهدي ، قال ابن سيده : المُتعة والمِتعة ضم العمرة إلى الحج وقد تمتع واستمتع .
وقال القزاز في جامعه : المتعة هو أن يدخل الرجل مكة في أشهر الحج بعمرة ثم يقيم فيها حتى يحج وقد خرج من إحرامه وتمتع بالنساء والطيب . وقال ابن الأثير : التمتع الترفق بأداء النسكين على وجه الصحة في سفرة واحدة من غير أن يلم بأهله إلماما صحيحا ، ولهذا لم يتحقق من المكي ، وقيل : سمي تمتعا لأنهم يتمتعون بالنساء والطيب بين العمرة والحج ، قاله عطاء وآخرون . والمحرمون عشرة : مفرد بالحج ، مفرد بالعمرة ، قارن متمتع ، مطلق ، متطوع بحج ، متطوع بعمرة ، متطوع بقران ، متمتع ، مطلق ، معلق يعني كإحرام فلان .
والكل جائز عند أهل العلم كافة ، إلا ما روي عن أميري المؤمنين عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع ، وقيل : كان نهي تنزيه ، وقيل : إنما نهيا عن فسخ الحج إلى العمرة لأن ذلك كان خاصا بالصحابة ، وذهب أحمد إلى جواز فسخ الحج إلى العمرة ، وقد استقصينا الكلام في الأفضل من الإفراد والتمتع والقران عن قريب .