حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب كيف كان بدء الرمل

( باب كيف كان بدء الرمل )

194 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد هو ابن زيد ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون : إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيه أنه صلى الله عليه وسلم أمر القادمين معه إلى مكة أن يرملوا وكان هذا هو ابتداء مشروعية الرمل ، ورجاله قد تكرروا .

وأعاد البخاري هذا الحديث في المغازي عن سليمان بن حرب أيضا ، وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي الربيع الزهراني ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سليمان لوين . ( ذكر معناه ) قوله : ( قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ) أي مكة ، قوله : ( فقال المشركون إنه يقدم عليكم ) بفتح الدال والضمير في أنه يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي وهنهم لأصحابه وله وجه آخر يأتي بيانه عن قريب ، وفي لفظ مسلم فقال المشركون : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا ، وفي لفظ للبخاري : والمشركون من جبل قعيقعان ، وفي لفظ لمسلم : وكانوا يحسدونه ، وفي لفظ : وكان أهل مكة قوما حسدا ، وفي رواية الإسماعيلي : يقدم عليكم قوم عراة فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا فأمرهم أن يرملوا وأن يمشوا ، وفي رواية ابن ماجه : قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحديبية : إن قومكم غدا سيرونكم فليرونكم جلدا ، فلما دخلوا المسجد الحرام استلموا الركن ورملوا وهو معهم . وللطبراني عن عطاء عن ابن عباس قال : من شاء فليرمل ومن شاء فلا يرمل ، إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرمل ليرى المشركون قوته ، وفي رواية الطبراني في تهذيبه : لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن أهل مكة يقولون إن بأصحابه هزالا فقال لهم حين قدم : شدوا مآزركم وأعضادكم وارملوا حتى يقول قومكم : إن بكم قوة ، قال : ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرمل ، قالوا : وإنما رمل في عمرة العقبة .

وفي إسناده حجاج بن أرطاة ، وفي رواية أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من جعرانة ، يعني في عمرة القضاء ، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قدموها على عواتقهم اليسرى ، وفي لفظ كانوا : إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا من قريش مشوا ثم إذا اطلعوا عليهم يرملون تقول قريش : كأنهم الغزلان . قوله : ( قد وهنهم ) ويروى : وقد وهنهم ، بواو العطف وحرف التقريب والجملة حالية وهذا بحرف العطف وبحذفها رواية ابن السكن ، وقال ابن قرقول : رواية الكافة بالفاء ، وهو الصواب ، يعني وفد بمعنى الجماعة القادمين ، فعلى هذا يكون ارتفاعه على أنه فاعل ، قوله : ( يقدم ) ويكون قوله : ( وهنهم ) في محل الرفع لأنها تكون صفة لوفد ، وعلى هذا يكون الضمير في قوله : ( إنه يقدم ) ضمير الشان ، وعلى رواية ابن السكن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا عن قريب ، ويروى : وهنهم بالتشديد ، من التوهين وقوله : حمى يثرب بالرفع فاعله ، والوهن الضعف يقال : وهن يهن مثل وعد ، ووهن ورم والواهن الضعيف في قوته لا بطش عنده ، وعن صاحب العين : الوهن الضعف في العمل والأمر ، وكذلك في العظم وهن الشيء وأوهنه ، والوهن بفتح الهاء لغة في الوهن بالتسكين ، ورجل واهن في الأمر والعمل وموهون في العظم والبدن ، وعن ابن دريد : وهن يوهن . قوله : ( يثرب ) اسم مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجاهلية ، قوله : ( أن يرملوا ) بضم الميم أي وأن يرملوا وأن مصدرية والتقدير يأمرهم بالرمل ، قوله : ( الأشواط ) جمع شوط بفتح الشين وهو الطلق وهو مأخوذ من قولهم : جرى الفرس شوطا إذا بلغ مجراه ثم عاد ، فكل من أتى موضعا ثم انصرف عنه فهو شوط ، والمراد هاهنا الطوفة حول الكعبة وانتصاب الأشواط على الظرف ، قوله : ( وأن يمشوا ) عطف على قوله : ( أن يرملوا ) ، قوله : ( ما بين الركنين ) أي اليمانيين ، قوله : ( إلا الإبقاء ) بكسر الهمزة وبالباء الموحدة والقاف وهو الرفق ج٩ / ص٢٤٩والشفقة أي لم يمنعه صلى الله عليه وسلم من أمرهم بالرمل في الكل إلا الرفق بهم ، وقال القرطبي : رويناه بالرفع على أنه فاعل يمنعهم ، ويجوز النصب على أن يكون مفعولا من أجله .

ذكر ما يستفاد منه : فيه الرمل في الطواف واختلف العلماء فيه هل هو سنة من سنن الحج لا يجوز تركها أو ليس بسنة ، لأنه كان لعلة وقد زالت فمن شاء فعله اختيارا فروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر أنه سنة ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وقال : آخرون ليس بسنة فمن شاء فعله ومن شاء تركه ، روي ذلك عن جماعة من التابعين منهم طاوس وعطاء والحسن والقاسم وسالم ، وروي ذلك عن ابن عباس وجمهور العلماء على أن الرمل من الحجر إلى الحجر ، وفي التوضيح : ثم الجمهور على أنه يستوعب البيت بالرمل ، وفي قول : لا يرمل بين الركنين اليمانيين ، والمرأة لا ترمل بالإجماع لأنه يقدح في الستر وليست من أهل الجلد ولا تهرول أيضا بين الصفا والمروة في السعي ، ورواه الشافعي عن ابن عمر وعائشة وجماعة ، فإن ترك الرمل في الطواف والهرولة في السعي بين الصفا والمروة ثم ذكر وهو قريب فمرة قال مالك يعيد ومرة قال لا يعيد ، وبه قال ابن القاسم واختلف أيضا هل عليه دم أم لا ، وفيه : جواز تسمية الطوفة شوطا ، ونقل عن الشافعي كراهته وفي الأم قال الشافعي : لا يقال شوط ولا دور ، وعن مجاهد : لا تقولوا شوطا ولا شوطين ولكن قولوا دورا أو دورين ، وفيه : ما يؤخذ جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابا لهم ولا يعد ذلك من الرياء ، وفيه : جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول وربما يكون بالفعل أولى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث