باب الجمع بين الصلاتين بعرفة
باب الجمع بين الصلاتين بعرفة أي هذا باب في بيان جواز الجمع بين الصلاتين أي الظهر والعصر بعرفة يوم عرفة ، ولم يبين الحكم اكتفاء بما في حديث الباب أو لمكان الخلاف فيه ، فإن مالكا والأوزاعي قالا : يجوز الجمع بعرفة والمزدلفة لكل أحد ، وهو وجه للشافعية ، وقول أبي يوسف ومحمد وعند أبي حنيفة لا يجمع بينهما إلا من صلاها مع الإمام ، وهو مذهب النخعي والثوري ، وعند الشافعي ومالك وأحمد سبب هذا الجمع السفر حتى لا يجوز لأهل مكة ولا لمن كان مقيما هناك أن يجمع ، وفي الروضة : أما الحجاج من أهل الآفاق فيجمعون بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر وبين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء ، وذلك الجمع بسبب السفر على المذهب الصحيح ، وقيل بسبب النسك ، فإن قلنا بالأول ففي جمع المكي قولان لأن سفره قصير ولا يجمع العرفي بعرفة ولا المزدلفي بمزدلفة لأنه وطنه ، وهل يجمع كل واحد منهما بالبقعة الأخرى فيه القولان كالمكي ، وإن قلنا بالثاني جاز الجمع لجميعهم ، ومن الأصحاب من يقول في جمع المكي قولان : الجديد منعه ، والقديم جوازه ، وعلى القديم في العرفي والمزدلفي وجهان ، والمذهب جمعهم على الإطلاق ، وحكم الجمع في البقعتين حكمه في سائر الأسفار ويتخير في التقديم والتأخير ، والاختيار التقديم بعرفة والتأخير بمزدلفة . وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما . مطابقته للترجمة ظاهرة فإن فيه الجمع بين الصلاتين ، وهذا تعليق وصله إبراهيم الحربي في المناسك له ، قال : حدثنا الحوضي ، عن همام أن نافعا حدثه أن ابن عمر كان إذا لم يدرك الإمام يوم عرفة جمع بين الظهر والعصر في منزله ، وأخرجه الثوري في جامعه برواية عبد الله بن الوليد العدني عنه ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع مثله ، وأخرجه ابن المنذر من هذا الوجه .
وقال الليث : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم أن الحجاج بن يوسف عام نزل بابن الزبير رضي الله عنهما سأل عبد الله رضي الله عنه : كيف تصنع في الموقف يوم عرفة ؟ فقال سالم : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة ، فقال عبد الله بن عمر : صدق ، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة ، فقلت لسالم : أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال سالم : وهل تتبعون في ذلك إلا سنته . مطابقته للترجمة في قوله : كانوا يجمعون بين الظهر والعصر والليث هو ابن سعد ، وعقيل بضم العين ابن خالد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر ، وهذا تعليق وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح جميعا عن الليث . قوله عام نزل بابن الزبير وهو عبد الله بن الزبير ، وكان نزوله في سنة ثلاث وسبعين ، قوله : سأل عبد الله أي سأل الحجاج عبد الله بن عمر ، قوله : فهجر أمر من التهجير أي صل بالهاجرة وهي شدة الحر ، قوله : في السنة بضم السين وتشديد النون أي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومحل هذه نصب على الحال من فاعل يجمعون أي متوغلين في السنة ، إنما قال ذلك تعريضا بالحجاج ، وقال الكرماني : ما وجه مطابقة كلام عبد الله لكلام ولده سالم ؟ ثم أجاب بقوله : لعله أراد من الصلاة صلاة الظهر والعصر كليهما فكأنه أمر بتهجير الصلاتين فصدقه عبد الله في ذلك ، قوله : فقلت لسالم القائل هو ابن شهاب ، قوله : أفعل ذلك الهمزة فيه للاستفهام ، قوله : وهل تتبعون بتشديد التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة بعدها عين مهملة من الاتباع ، هكذا هو في رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني تبتغون بفتح التائين المثناتين من فوق بينهما باء موحدة وبالغين المعجمة ، من الابتغاء وهو الطلب ، قوله : في ذلك أي في ذلك الفعل ، وفي رواية الحموي بحذف كلمة في وهي مقدرة ، ويروى بذلك ، وقال الكرماني : أي في الجمع أو التهجير .