باب السير إذا دفع من عرفة
( باب السير إذا دفع من عرفة ) 250 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أنه قال : سئل أسامة وأنا جالس : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص . مطابقته للترجمة في قوله : " كان يسير العنق " فإنه صفة سيره إذا دفع من عرفة ، وعن قريب يأتي تفسيره .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد ، عن أبي موسى ، وفي المغازي عن مسدد ، كلاهما عن يحيى بن سعيد ، وأخرجه مسلم في المناسك ، عن أبي الربيع الزهراني وقتيبة ، كلاهما عن حماد بن زيد ، وعن أبي بكر عن عبدة بن سليمان وعبد الله بن نمير وحميد بن عبد الرحمن ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم ، وعن عبد الله بن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد الطنافسي وعمرو بن عبد الله الأودي . ( ذكر معناه ) : قوله : " سئل أسامة " ، وهو أسامة بن زيد بن حارثة حب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ومولاه ، سمع النبي وتوفي في آخر خلافة معاوية . قوله : " وأنا جالس " الواو فيه للحال ، وفي رواية النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك : وأنا جالس معه ، وفي رواية مسلم من طريق حماد بن زيد ، عن هشام ، عن أبيه : سئل أسامة وأنا شاهد ، أو قال : سألت أسامة بن زيد .
قوله : " في حجة الوداع " سميت به ؛ لأنه - - صلى الله عليه وسلم - ودع الناس فيها ، وقال : " لا ألقاكم بعد عامي هذا " ، وغلط من كره تسميتها بذلك ، وتسمى البلاغ أيضا ؛ لأنه قال - عليه الصلاة والسلام - فيها : " هل بلغت ؟ " وحجة الإسلام ؛ لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك . قوله : " حين دفع " ، أي : من عرفات ، أي انصرف منها إلى المزدلفة ، وفي رواية يحيى بن يحيى وغيره ، عن مالك في الموطأ : حين دفع من عرفة . قوله : " العنق " بفتح العين المهملة وفتح النون ، وفي آخره قاف ، قال في الموعب لابن التياني : هو سير مسبطر ، وقال معمر : هو أدنى المشي ، وهو أن يرفع الفرس يده ليس يرفع هملجة ولا هرولة ، وفي التهذيب للأزهري : العنق والعنيق ضرب من السير ، وقد أعنقت الدابة .
وقال ابن سيده : فهي معنق ومعناق وعنيق . وفي المخصص عن الأصمعي : من المشي العنق وهو أوله ، وقال القزاز : ولم يقولوا عنقه ، وفي كتاب الاحتفال لابن أبي خالد في صفات الخيل : ومن أنواع سير الإبل والدواب العنق ، وهو سير سهل مسبطر تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة ، وهو دون الإسراع . وفي المجمل : هو نوع من سير الدواب طويل .
قوله : " فإذا وجد فجوة " الفجوة والفجواء ممدودا ، قال ابن سيده : هو ما اتسع من الأرض ، وقيل : ما اتسع منها وانخفض . وقال النووي : رواه بعضهم في الموطأ بضم الفاء وفتحها ، ورواه أبو مصعب ويحيى بن بكير وغيرهما ، عن مالك بلفظ : فرجة بضم الفاء وسكون الراء ، وهو بمعنى الفجوة . قوله : " نص " فعل ماض وفاعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أي : أسرع ، وفي كتاب الاحتفال : النص والنصيص في السير أن تسار الدابة أو البعير سيرا شديدا حتى تستخرج أقصى ما عنده ، ونص كل شيء منتهاه .
ج١٠ / ص٧وقال أبو عبيد : النص أصله منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها ، وقال ابن بطال : تعجيل الدفع من عرفة - والله أعلم - إنما هو لضيق الوقت ؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس ، وبين عرفة والمزدلفة نحو ثلاثة أميال ، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وتلك سنتها ، فتعجلوا في السير لاستعجال الصلاة . وقال الطبري : الصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعا ما صحت به الآثار إلا في وادي محسر ، فإنه يوضع لصحة الحديث بذلك ، فلو أوضع أحد في موضع العنق أو العكس لم يلزمه شيء ؛ لإجماع الجمع على ذلك غير أنه يكون مخطئا طريق الصواب . ( قلت ) : أشار بقوله لصحة الحديث إلى ما روي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - رواه الترمذي فقال : حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا وكيع وبشر بن السري وأبو نعيم قالوا : حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، " عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوضع في وادي محسر " ، الحديث .
وقال أبو عيسى : حديث حسن صحيح . قوله : " أوضع " ، أي : أسرع السير من الإيضاع ، وهو السير السريع ، ومفعول أوضع محذوف ، أي : أوضع راحلته ؛ لأن الرباعي متعد والقاصر منه ثلاثي ، قال الجوهري : وضع البعير وغيره ، أي : أسرع في سيره . وفيه من الفوائد أن السلف كانوا يحرصون على السؤال ، عن كيفية أحواله - عليه الصلاة والسلام - في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك .
( قال هشام : والنص فوق العنق ) هو هشام بن عروة الراوي ، وهذا تفسير منه ، وكذا رواه مسلم من رواية حميد بن عبد الرحمن ، عن هشام بن عروة ، قال هشام : والنص فوق العنق ، وأدرجه يحيى القطان في الذي رواه البخاري في الجهاد ، قال : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى ، عن هشام قال : أخبرني أبي قال : سئل أسامة بن زيد : كان يحيى يقول وأنا أسمع فسقط عني عن مسير النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع . قال : فكان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ، والنص فوق العنق . وكذا أدرجه سفيان فيما أخرجه النسائي وعبد الرحيم بن سليمان ، ووكيع فيما أخرجه ابن خزيمة ، كلهم عن هشام ، وقد رواه عن إسحاق في مسنده ، عن وكيع ففصله ، وجعل التفسير من كلام وكيع ، وكذا رواه ابن خزيمة من طريق سفيان ففصله ، وجعل التفسير من كلام سفيان ، وسفيان ووكيع إنما أخذا التفسير المذكور عن هشام ، فرجع التفسير إليه .
وقد رواه أكثر رواة الموطأ عن مالك فلم يذكر التفسير ؛ ولذلك رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن سلمة ، ومسلم من طريق حماد بن زيد ، كلاهما عن هشام . ( فجوة متسع ، والجمع فجوات وفجاء ، وكذلك ركوة وركاء مناص ليس حين فرار ) فسر البخاري الفجوة بقوله : متسع ، وأبو عبد الله هو كنية البخاري ، وذكر أيضا أن جمع فجوة يأتي على مثالين ؛ أحدهما فجوات بفتحتين والآخر فجاء بكسر الفاء ، ومثل لذلك بقوله : وكذا ركوة وركاء ، فإن ركوة على وزن فجوة ، وركاء الذي هو جمع على وزن فجاء . قوله : " مناص ليس حين فرار " لم يثبت في كثير من النسخ ، وأما وجه المذكور من ذلك أنه إنما ذكره لدفع وهم من يتوهم أن المناص والنص من باب واحد ، وأن أحدهما مشتق من الآخر ، وليس كذلك ، فإن النص مضعف وحروفه صحاح ، والمناص من باب المعتل العين الواوي ؛ لأنه من النوص .
قال الفراء : النوص التأخر ويقال : ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا ، أي : فر وزاغ . وقال الجوهري : قال الله تعالى : وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ أي : ليس وقت تأخر وفرار ، والذي يظهر أن أبا عبد الله هو الذي وهم فيه ، فظن أن مادة نص ومناص واحدة ، فلذلك ذكره ، والأولى أن يعتمد على النسخة التي لم يذكر هذا فيها ، ويبعد الشخص من نسبة الوهم إليه أو إلى غيره .