حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الوقوف بعرفة

حدثنا فروة بن أبي المغراء قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، قال عروة : كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت ، وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها ، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها ، فمن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عريانا ، وكان يفيض جماعة الناس من عرفات ويفيض الحمس من جمع . قال : وأخبرني أبي ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن هذه الآية نزلت في الحمس : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ قال : كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ؛ لأن الأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس لا يكون إلا بعد الوقوف بعرفة ، فصاروا مأمورين بالوقوف في عرفة .

( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ؛ الأول : فروة بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الواو ابن أبي المغراء بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء وبالمد ، مر في آخر الجنائز . الثاني : علي بن مسهر بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء ، قاضي الموصل مر في باب مباشرة الحائض . الثالث : هشام بن عروة ، وقد تكرر ذكره .

الرابع : عروة بن الزبير . الخامس : أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه وابن مسهر كوفيان وأن هشاما وأباه عروة مدنيان ، وفيه أن من قوله : قال عروة إلى قوله : وأخبرني ، موقوف .

ومن قوله : وأخبرني إلى آخره متصل ، وفيه قال عروة ، وفي رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه . ( ذكر معناه ) : قوله : عراة جمع عار كقضاة جمع قاض ، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في يطوفون ، وقد مر تفسير الحمس عن قريب . قوله : وما ولدت ، أي : وأولادهم ، واختار كلمة ما على كلمة من لعمومه ، وقيل : المراد به والدهم ، وهو كنانة ؛ لأن الصحيح أن قريشا هم أولاد النضر بن كنانة ، وزاد معمر هنا : وكان ممن ولدت قريش خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة ، وعن مجاهد أن منهم أيضا عدوان وغيرهم .

قوله : ويحتسبون ، أي : يعطون الناس الثياب حسبة لله تعالى . قوله : يفيض أصله من إفاضة الماء ، وهو صبه بكثرة ، وقال الزمخشري : أفضتم دفعتم من كثرة الماء . قوله : جماعة الناس ، أي : غير الحمس .

قوله : من عرفات هو علم للموقف ، وهو منصرف إذ لا تأنيث فيها ، قاله الكرماني والتحقيق فيه ما قاله الزمخشري . ( فإن قلت ) : هلا منعت الصرف ، وفيه السببان التعريف والتأنيث ؟ ( قلت ) : لا يخلو التأنيث إما أن يكون بالتاء التي في لفظها ، وإما بتاء مقدرة كما في سعاد ، فالتي في لفظها ليست للتأنيث ، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ، ولا يصح تقدير التاء فيها ؛ لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت ؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها ، انتهى . وسميت عرفات بهذا الاسم إما لأنها وصفت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فلما بصرها عرفها ، أو لأن جبريل عليه الصلاة والسلام حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها ، فقال : قد عرفت ، أو لأن آدم عليه الصلاة والسلام هبط من الجنة بأرض الهند وحواء عليها السلام بجدة فالتقيا ثمة فتعارفا ، أو لأن الناس يتعارفون بها ، أو لأن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - عرف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثمة ، أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم ، أو لأن فيها جبالا والجبال هي الأعراف ، وكل عال فهو عرف .

قوله : من جمع بفتح الجيم وسكون الميم هي المزدلفة وسمي به ؛ لأن آدم عليه الصلاة والسلام اجتمع فيها مع حواء عليها السلام وازدلف إليها ، أي : دنا منها ، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين وأهلها يزدلفون ، أي : يتقربون إلى الله تعالى بالوقوف فيها . ( قلت ) : أصلها مزتلفة ؛ لأنها من زلف فقلبت التاء دالا لأجل الزاي ، قوله : قال وأخبرني أبي ، أي : قال هشام : وأخبرني أبي عروة ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قوله : إن هذه الآية أي قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ واختلف أهل التفسير في هذه الآية فقال الضحاك : يريد إبراهيم عليه السلام ، يعني يريد من الناس إبراهيم عليه والسلام ، ويؤيده ما رواه الترمذي : حدثنا قتيبة ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان ، عن يزيد بن شيبان قال : أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن وقوف بالموقف مكانا يباعده عمرو فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : كونوا على مشاعركم ، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وقال : حديث حسن صحيح ، واسم ابن مربع زيد ، وقيل : يزيد ، وقيل : عبد الله بن مربع بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة ، وفي آخره عين مهملة ، ويزيد بن شيبان أزدي وله صحبة .

قوله : كونوا على مشاعركم ، أي : على مواضع المناسك ، وفي رواية أبي داود : قفوا على مشاعركم ، وفي رواية حسين بن عقيل ، عن الضحاك مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ أي الإمام ، وقيل : آدم عليه الصلاة والسلام . ويؤيده قراءة الناس ، وهو آدم عليه السلام من قوله تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وقيل : مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ أي سائر الناس غير الحمس . وقال ابن التين : وهو الصحيح .

وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فكيف موقع ثم يعني في قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا ؛ لأن ثم تقتضي المهلة ، قال تعالى : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثم قال : ثُمَّ أَفِيضُوا والإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام ؟ وأجاب الزمخشري بأن موقع ثم نحو موقعها في قولك : أحسن إلى الناس ، ثم لا تحسن إلى غير كريم ، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره وبعد ما بينهما ، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال : ثُمَّ أَفِيضُوا لتفاوت ما بين الإفاضتين ، وأن إحداهما صواب والثانية خطأ ، وأجاب غيره بأن ثم بمعنى الواو ، واختاره الطحاوي ، وقيل : لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب ، والمعنى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون . وقال الخطابي : تضمن قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ الأمر بالوقوف بعرفة ؛ لأن الإفاضة إنما تكون عن اجتماع قبله . قوله : فدفعوا إلى عرفات بلفظ المجهول ، أي : أمروا بالذهاب إلى عرفات حيث قيل لهم ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ وفي رواية الكشميهني : ( فرفعوا ) بالراء ، وفي رواية مسلم من طريق أبي أسامة ، عن هشام : رجعوا إلى عرفات ، والمعنى أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ، ثم يفيضوا منها .

( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه الوقوف بعرفة ، وهو من أعظم أركان الحج ثبت ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله ؛ أما فعله فروى الإمام أحمد ، حدثنا روح حدثنا زكرياء بن إسحاق ، أخبرنا إبراهيم بن ميسرة أنه سمع يعقوب بن عاصم بن عروة يقول : سمعت الشريد يقول : أشهد لوقفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات قال : فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا ، والشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء ابن سويد الثقفي . وقال الطبري : حدثنا ابن حميد حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن ربيعة ، عن أبيه رجل من قريش قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقف بعرفة موضعه الذي رأيته يقف فيه في الجاهلية . وأما قوله : فرواه الترمذي من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة فقال : هذه عرفة ، وهو الموقف ، وعرفة كلها موقف ، الحديث .

وروى ابن حبان في صحيحه من حديث جبير بن مطعم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل عرفات موقف فارفعوا عن عرنة ، وكل مزدلفة موقف فارفعوا عن محسر ، وكل أيام منى منحر ، وفي كل أيام التشريق ذبح . وفي هذه الأحاديث تعيين عرفة للوقوف ، وأنه لا يجزئ الوقوف بغيرها ، وهو قول أكثر أهل العلم . وحكى ابن المنذر ، عن مالك أنه يصح الوقوف بعرنة بضم العين والنون ، والحديث المذكور حجة عليه ، وحد عرفة ما رواه الأزرقي في تاريخ مكة بإسناده إلى ابن عباس قال : حد عرفة من قبل المشرق على بطن عرنة إلى جبال عرنة إلى وصيق إلى ملتقى وصيق إلى وادي عرنة .

ووصيق بفتح الواو وكسر الصاد المهملة بعدها ياء آخر الحروف ، وفي آخره قاف ، وقال الشافعي في الأوسط من مناسكه : وعرفة ما جاوز بطن عرنة ، وليس الوادي ولا المسجد منها إلى الجبال المقابلة مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن ، وما جاوز ذلك فليس بعرفة ، والحضن بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة المفتوحتين ، وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كريز ، وكان له حائط نخل ، وكان فيها عين ، قال المحب الطبري : وهو الآن خراب ، وقال ابن بطال : اختلفوا إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس ولم يقف بها ليلا ، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع ، فإن وقف جزأ من الليل أي جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه ، وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي : الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزوال ، والليل كله تبع ، فإن وقف جزأ من النهار أجزأه ، وإن وقف جزأ من الليل أجزأه إلا أنهم يقولون : إن وقف جزأ من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم ، وإن وقف جزأ من الليل دون النهار لم يجب عليه دم . وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر ، فسوى بين أجزاء الليل وأجزاء النهار ، وقال ابن قدامة : وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم ؛ منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي . وقال ابن جريج : عليه بدنة ، وقال الحسن بن أبي الحسن : عليه هدي من الإبل ، فإن دفع قبل الغروب ، ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس ، فلا دم عليه ، ( فإن قلت ) : روى نافع ، عن ابن عمر أنه قال : من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج .

وعن عروة بن الزبير مثله ورفعه ابن عمر مرة : من فاته عرفات بليل فقد فاته الحج . وعن عمرو بن شعيب رفعه قال : من جاوز وادي عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له ، وعن معمر ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير رفعه : إنا لا ندفع حتى تغرب الشمس يعني من عرفات . ( قلت ) : ابن حزم ضعف هذه كلها ووهاها .

وعن عروة بن مضرس الطائي مرفوعا : من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه . رواه أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ، والله تعالى أعلم .

ورد في أحاديث13 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث