باب النزول بين عرفة وجمع
حدثنا قتيبة قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن أبي حرملة ، عن كريب مولى ابن عباس ، عن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - أنه قال : ردفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفات ، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشعب الأيسر الذي دون المزدلفه أناخ فبال ، ثم جاء فصببت عليه الوضوء ، توضأ وضوءا خفيفا . فقلت : الصلاة يا رسول الله ؟ قال : الصلاة أمامك ، فركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى المزدلفة فصلى ، ثم ردف الفضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة جمع . قال كريب : فأخبرني عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عن الفضل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة .
مطابقته للترجمة في قوله : فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال والإناخة والبول لا يكونان إلا بالنزول ، وكان ذلك بين عرفة وجمع . ( ذكر رجاله ) : وهم سبعة ؛ الأول : قتيبة بن سعيد . الثاني : إسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري مولى زريق المؤدب ، مات سنة ثمانين ومائة .
الثالث : محمد بن أبي حرملة بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفتح الميم ، ولا يعرف اسمه ، وهو مولى آل حويطب ، وكان خصيف يروي عنه فيقول : حدثني محمد بن حويطب فذكر ابن حبان أن خصيفا كان ينسبه إلى جده وإليه ، وذكر في رجال الصحيحين محمد بن أبي حرملة القرشي . يكنى أبا عبد الله مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب بن عبد العزى ، قال الواقدي : مات في أول خلافة أبي جعفر . الرابع : كريب بضم الكاف .
الخامس : أسامة بن زيد بن حارثة . السادس : عبد الله بن عباس . السابع : الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهم .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه بغلاني بغلان بلخ ، والبقية من الرواة كلهم مدنيون ، وفيه رواية الصحابي ، عن الصحابي وهما عبد الله بن عباس والفضل بن عباس ، وفيه رواية الأخ عن الأخ وهما المذكوران ، وفيه ثلاثة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضا ، عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر ، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن أبي حرملة . ( ذكر معناه ) : قوله : ردفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكسر الدال ، أي : ركبت وراءه .
قوله : أناخ ، أي : راحلته . قوله : الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به ، قوله : توضأ ويروى فتوضأ بفاء العطف ، قوله : وضوءا خفيفا إما بأنه توضأ مرة مرة ، أو بأنه خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته ، ويؤيد هذا الرواية الأخرى الآتية بعد باب : فلم يسبغ الوضوء . قوله : فقلت الصلاة القائل هو أسامة ، والصلاة منصوبة بفعل مقدر ، ويجوز رفعها على تقدير : الصلاة حضرت .
قوله : الصلاة أمامك بالوجهين كما ذكرنا في الحديث السابق ، قوله : حتى أتى المزدلفة فصلى ، أي : لم يبدأ بشيء قبل الصلاة ، وفي رواية مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة : ثم سار حتى بلغ جمعا فصلى المغرب والعشاء . قوله : غداء جمع ، أي : غداة الليلة التي كانت به ، أي : صبح يوم النحر . قوله : حتى بلغ الجمرة ، أي : جمرة العقبة ، ويروى حتى بلغ رمي الجمرة .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز الركوب حال الدفع من عرفة ، وفيه جواز الارتداف على الدابة ، لكن إذا كانت مطيقة ، وفيه الاستعانة في الوضوء وللفقهاء فيه تفصيل ؛ لأن الاستعانة إما أن تكون في إحضار الماء مثلا ، أو في صبه على المتوضئ ، أو مباشرة غسل أعضائه . فالأول جائز بلا خلاف ، والثالث مكروه إلا إن كان لعذر ، واختلف في الثاني ، والأصح أنه لا يكره لكنه خلاف الأولى ، وأما الذي وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان إما لبيان الجواز ، وهو حينئذ أفضل في حقه ، أو كان للضرورة وفيه الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة ، وسيأتي الكلام فيه عن قريب ؛ لأنه عقد له بابا ، وفيه التلبية إلى أن يأتي إلى موضع رمي الجمرة ، وسيأتي بيانه ؛ لأنه عقد بابا له .