باب من جمع بينهما ولم يتطوع
( باب من جمع بينهما ولم يتطوع ) 256 - حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بجمع ، كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ، ولا على إثر كل واحدة منهما . مطابقته للترجمة ظاهرة صريحا من متنه ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وآدم هو ابن أبي إياس ، واسم أبي إياس عبد الرحمن أصله من خراسان سكن عسقلان ، وابن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة ، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، واسم أبي ذئب هشام المدني ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب المدني .
قوله : " بجمع " بفتح الجيم ، وهو المزدلفة ، وقد فسرناه غير مرة . قوله : " ولم يسبح بينهما " ، أي لم يتطوع بين المغرب والعشاء . قوله : " ولا على إثر " بكسر الهمزة بمعنى الأثر بفتحتين ، أي عقيبه .
والحديث أخرجه أبو داود أيضا في الحج ، عن أحمد بن حنبل ، وعن عثمان بن أبي شيبة وعن مخلد بن خالد ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي ، وفي الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم ، عن وكيع . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة ، وهذا لا خلاف فيه ، ولكن الخلاف فيه هل هو للنسك أو لمطلق السفر أو للسفر الطويل ؟ فمن قال للنسك قال : يجمع أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة ، ومن قال : لمطلق السفر قال : يجمعون سوى أهل المزدلفة ، ومن قال للسفر الطويل ، قال : يتم أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة ، وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر ، ويقصر من طال سفره . وقال الترمذي : والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أنه لا يصلي المغرب دون جمع .
وقال شيخنا زين الدين رحمه الله تعالى : كأنه أراد العمل عليه مشروعية واستحبابا لا تحتما ولا لزوما ، فإنهم لم يتفقوا على ذلك بل اختلفوا فيه ، فقال سفيان الثوري : لا يصليهما حتى يأتي جمعا ، وله السعة في ذلك إلى نصف الليل ، فإن صلاهما دون جمع أعاد ، وكذا قال أبو حنيفة : إن صلاهما قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة ، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق أو بعده فعليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة ، وقال مالك : لا يصليها أحد قبل جمع إلا من عذر ، فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق ، وذهب الشافعي إلى أن هذا هو الأفضل ، وأنه إن جمع بينهما في وقت المغرب أو في وقت العشاء بأرض عرفات أو غيرها أو صلى كل ج١٠ / ص١٢صلاة في وقتها جاز ذلك ، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو يوسف وأشهب ، وحكاه النووي عن أصحاب الحديث ، وبه قال من التابعين : عطاء وعروة وسالم والقاسم وسعيد بن جبير ، وفيه أن الإقامة لكل واحدة من المغرب والعشاء . وفيه للعلماء ستة أقوال ؛ أحدها أنه يقيم لكل منهما ولا يؤذن لواحدة منهما ، وهو قول القاسم ومحمد وسالم ، وهو إحدى الروايات عن ابن عمر ، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه ، وهو قول الشافعي وأصحابه فيما حكاه الخطابي والبغوي وغير واحد . وقال النووي في شرح مسلم : الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة ، وقال في الإيضاح : إنه الأصح .
الثاني : أن يصليهما بإقامة واحدة للأولى ، وهو إحدى الروايات عن ابن عمر ، وهو قول سفيان الثوري فيما حكاه الترمذي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم . الثالث : أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة منهما ، وهو قول أحمد بن حنبل في أصح قوليه ، وبه قال أبو ثور وعبد الملك بن الماجشون من المالكية والطحاوي ، وقال الخطابي : هو قول أهل الرأي . وذكر ابن عبد البر أن الجوزجاني حكاه عن محمد بن الحسن ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة .
الرابع : أنه يؤذن للأولى ويقيم لها ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف حكاه النووي وغيره . ( قلت ) : هذا هو مذهب أصحابنا وعند زفر بأذان وإقامتين . الخامس : أنه يؤذن لكل منهما ويقيم ، وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما ، وهو قول مالك وأصحابه إلا ابن الماجشون ، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع ، قاله ابن عبد البر .
السادس : أنه لا يؤذن لواحدة منهما ولا يقيم ، حكاه المحب الطبري عن بعض السلف ، وهذا كله في جمع التأخير . أما جمع التقديم كالظهر والعصر بنمرة ففيه ثلاثة أقوال ؛ أحدها أنه يؤذن للأولى ويقيم لها ولا يقيم لكل منهما ، وهو قول الشافعي وجمهور أصحابه ، والثاني أنه يؤذن للأولى ويقيم لها ولا يقيم للثانية ، وهو مذهب أبي حنيفة . والثالث : أنه يؤذن لكل منهما ويقيم ، وهو وجه حكاه الرافعي ، عن ابن كج ، عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجها .
( فإن قلت ) : ما الأصل في هذه الأقوال ؟ ( قلت ) : الذي قال بأذان واحد وإقامتين قال برواية جابر ، والذي قال بلا أذان ولا إقامة قال بحديث أبي أيوب وابن عمر ، فإنه ليس فيهما أذان ولا إقامة ، وكذا رواه طلق بن حبيب وابن سيرين ونافع ، عن ابن عمر من فعله . والذي قال بإقامة واحدة قال بحديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر " أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - جمع بين المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة " وكذا رواه ابن عباس مرفوعا عند مسلم ، والذي قال بإقامة للمغرب وإقامة للعشاء بحديث أمامة ، وكذا فعله عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة قاله ابن حزم ، وقال : وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - فإنه روي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة ، وروي عنه أيضا بإقامة واحدة ، وروي عنه موقوفا بأذان واحد وإقامة واحدة ، وروي عنه مسندا الجمع بينهما بإقامتين ، وروي عنه مسندا بأذان واحد وإقامة واحدة . قال : وهنا قول سادس ولم نجده مرويا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ما رويناه عن ابن مسعود أنه صلى المغرب بالمزدلفة ، كل واحد منهما بأذان وإقامة .
( قلت ) : هذا رواه البخاري ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما على ما يأتي إن شاء الله تعالى . وفيه أنه - - صلى الله عليه وسلم - لم يتنفل بين المغرب والعشاء حين جمع بينهما بالمزدلفة ولا عقيب كل واحدة منهما ، وذلك لأنه لما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة ، لم يتنفل بينهما بخلاف العشاء ، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقيبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل ، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة ، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما .