حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم

( باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم ) أي هذا باب في بيان من أشعر هديه ، وفي بيان من قلده والكلام في هذين الفصلين على أنواع : الأول : في تفسير الإشعار لغة ، وهو من الشعور في الأصل ، وهو العلم بالشيء من شعر يشعر من باب نصر ينصر إذا علم ، وأشعر من الإشعار بكسر الهمزة ، وهو الإعلام . النوع الثاني : في تفسيره شرعا ، وهو أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة حتى تتلطخ بالدم ظاهرا ، ولا نظر إلى ما فيه من الإيلام ؛ لأنه لا منع إلا ما منعه الشرع ، وذكر القزاز : أشعرها إشعارا وإشعارها أن يوجأ أصل سنامها بسكين سميت بما حل فيها ، وذلك لأن الذي فعل بها علامة تعرف بها ، وفي المحكم هو أن يشق جلدها أو يطعنها حتى يظهر الدم ، وزعم ابن قرقول أن إشعارها هو تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الجانب الأيمن ، هذا عند الحجازيين ، وأما العراقيون فالإشعار عندهم تقليدها بقلادة ، وقيل : الإشعار أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ، ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديا . النوع الثالث : في كيفية الإشعار والاختلاف الذي فيها ، قال أبو يوسف ومحمد : كيفية الإشعار أن يطعنها في أسفل سنامها من الجانب الأيسر حتى يسيل الدم ، وعند الشافعي وأحمد في قول : الأيمن ، وقال السفاقسي : إذا كانت البدنة ذللا أشعرها من الأيسر ، وإن كانت صعبة قرن بدنتين ، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن ، والأخرى من الأيسر .

وقال ابن قدامة : وعن أحمد من الجانب الأيسر ؛ لأن ابن عمر فعله وبه قال مالك ، وحكاه ابن حزم عن مجاهد يقول : كانوا يستحبون الإشعار في الجانب الأيسر ، وفي شرح الموطأ للإشبيلي وجائز الإشعار في الجانب الأيمن ، وفي الجانب الأيسر ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما فعل هذا وربما فعل هذا ، وأكثر أهل العلم يستحبون في الجانب الأيمن ؛ منهم الشافعي وإسحاق لحديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بذي الحليفة ، ثم دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها اليمنى ، ثم سلت الدم عنها وقلدها بنعلين ، أخرجه مسلم . وعند أبي داود : ثم سلت الدم بيده ، وفي لفظ : ثم سلت الدم بإصبعه ، وقال ابن حبيب : يشعر طولا ، وقال السفاقسي : عرضا والعرض عرض السنام من العنق إلى الذنب ، وقال مجاهد : أشعر من حيث شئت ، ثم قال : والإشعار طولا في شق البعير أخذا من جهة مقدم البعير إلى جهة عجزه ، فيكون مجرى الدم عريضا فيتبين الإشعار ، ولو كان مع عرض البعير كان مجرى الدم يسيرا خفيفا لا يقع به مقصود الإعلان بالهدي . ( النوع الرابع ) في صفة الإشعار : ذهب جمهور العلماء إلى أن الإشعار سنة ،

وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه بأسانيد جيدة ، عن عائشة وابن عباس : إن شئت فأشعر ، وإن شئت فلا
، وقال ابن حزم في المحلى : قال أبو حنيفة : أكره الإشعار وهو مثلة وقال : هذه طامة من طوام العالم أن يكون مثلة شيء فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أف لكل عقل يتعقب حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويلزمه أن تكون الحجامة وفتح العرق مثلة فيمنع من ذلك ، وهذه قولة لا نعلم لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف ولا موافق من فقهاء عصره إلا من ابتلاه الله تعالى بتقليده .

( قلت ) : هذا سفاهة وقلة حياء ؛ لأن الطحاوي الذي هو أعلم الناس بمذاهب الفقهاء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة ذكر أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار ولا كونه سنة ، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاكها لسراية الجرح لا سيما في حر الحجاز مع الطعن بالسنان أو الشفرة ، فأراد سد الباب على العامة ؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذلك ، وأما من وقف على الحد فقطع الجلد دون اللحم فلا يكرهه ، وذكر الكرماني صاحب المناسك عنه استحسانه ، قال : وهو الأصح لا سيما إذا كان بمبضع ونحوه ، فيصير كالفصد والحجامة . وأما قوله : وهذه قولة لا نعلم لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف فقول فاسد ؛ لأن ابن بطال ذكر أن إبراهيم النخعي أيضا لا يرى بالإشعار ، ولما روى الترمذي حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قلد نعلين وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة ج١٠ / ص٣٦وأماط عنه الدم ، قال : سمعت يوسف بن عيسى يقول : سمعت وكيعا يقول حين روى هذا الحديث : لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا ، فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة ، قال : وسمعت أبا السائب يقول : كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي : أشعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول أبو حنيفة : هو مثلة ، قال الرجل : فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال : الإشعار مثلة ، قال : فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا ، وقال : أقول لك : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول : قال إبراهيم ، ما أحقك بأن تحبس ، ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا ، انتهى . وقال الخطابي : لا أعلم أحدا يكره الإشعار إلا أبا حنيفة ، قال : وخالفه صاحباه وقالا بقول عامة أهل العلم .

( قلت ) : الجواب عما نقله الترمذي ، عن وكيع ، وعما قاله الخطابي ، وعن قول كل من يتعقب على أبي حنيفة بمثل هذا يحصل مما قاله الطحاوي ، وقد رأيت كل ما ذكره ، وفيه أريحية العصبية والحط على من لا يجوز الحط عليه ، وحاشا من أهل الإنصاف أن يصدر منهم ما لا يليق ذكره في حق الأئمة الأجلاء على أن أبا حنيفة قال : لا أتبع الرأي والقياس إلا إذا لم أظفر بشيء من الكتاب أو السنة أو الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهذا ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم قد خير صاحب الهدي في الإشعار وتركه على ما ذكرناه عن قريب ، وهذا يشعر منهما أنهما كانا لا يريان الإشعار سنة ولا مستحبا . ( النوع الخامس ) في الحكمة في الإشعار ؛ منها أن البدنة التي أشعرت إذا اختلطت بغيرها تميزت ، وإذا ضلت عرفت ، ومنها أن السارق ربما ارتدع فتركها ، ومنها أنها قد تعطب فتنحر ، فإذا رأى المساكين عليها العلامة أكلوها وأنهم يتبعونها إلى المنحر لينالوا منها ، ومنها أن فيها تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه . النوع السادس : أن الإشعار مختص بالإبل أم لا ؟ فقال ابن بطال : اختلفوا في إشعار البقرة ، فكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يشعر في أسنمتها ، وحكاه ابن حزم عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - أيضا ، وقال الشعبي : تقلد وتشعر ، وهو قول أبي ثور ، وقال مالك : تشعر التي لها سنام وتقلد ، ولا تشعر التي لا سنام لها ، وقال سعيد بن جبير : تقلد ولا تشعر ، وأما الغنم فلا يسن إشعارها لضعفها ، ولأن صوفها يستر موضع الإشعار ، وقال ابن التين : وما علمت أحدا ذكر الخلاف في البقرة المسمنة إلا الشيخ أبا إسحاق ، وما أراه موجودا .

النوع السابع في التقليد ، وهو سنة بالإجماع ، وهو تعليق نعل أو جلد ليكون علامة الهدي ، وقال أصحابنا : لو قلد بعروة مزادة أو لحي شجرة أو شبه ذلك ، جاز لحصول العلامة ، وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين ، وهو قول ابن عمر ، وقال الزهري ومالك : يجزئ واحدة ، وعن الثوري : يجزئ فم القربة ، ونعلان أفضل لمن وجدهما . وقال ابن بطال : غرض البخاري من هذه الترجمة أن يبين أن المستحب أن لا يشعر المحرم ولا يقلد إلا في ميقات بلده ، وقيل : الذي يظهر أن غرضه الإشارة إلى رد قول مجاهد ، فإنه قال : لا يشعر حتى يحرم ، وهو عكس ما في الترجمة . ( وقال نافع : كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أهدى من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة ، ويطعن في شق سنامه الأيمن بالشفرة ووجهها قبل القبلة باركة ) مطابقته للترجمة من حيث إن ابن عمر كان يقلد ويشعر بذي الحليفة ، فإن بداءته بالتقليد والإشعار يدل على أنه كان يقدمهما على الإحرام ، وفي الترجمة كذلك ، فإنه قال : ثم أحرم ، أي بعد الإشعار والتقليد أحرم ، وهذا التعليق وصله مالك في الموطأ قال : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده بذي الحليفة ، يقلده قبل أن يشعره ، وذلك في مكان واحد ، وهو متوجه إلى القبلة يقلده بنعلين ، ويشعره من الشق الأيسر ، ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ، ثم يدفع به ، فإذا قدم غداة النحر نحره .

( فإن قلت ) : الذي علقه البخاري يدل على الأيمن ، والذي رواه مالك يدل على الأيسر . ( قلت ) : قال ابن بطال : روي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يشعرها مرة في الأيمن ومرة في الأيسر ، فأخذ مالك وأحمد في رواية الأيسر ، وأخذ الشافعي وأحمد في رواية أخرى برواية الأيمن ، وعن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا طعن في سنام هديه ، وهو يشعره قال : باسم الله والله أكبر . قوله : " إذا أهدى من المدينة " ، أي هديه قلده ، والضمير المنصوب في قلده وأشعره يرجع إلى الهدي المقدر الذي هو مفعول أهدى ، وقد صرح ج١٠ / ص٣٧به في رواية مالك كما وقفت عليه ، قوله : " ويطعن " بضم العين من الطعن بالرمح ونحوه ، قوله : " في شق سنامه " بكسر الشين المعجمة ، وهو الناحية والنصف ، قوله : " بالشفرة " بفتح الشين المعجمة وهي السكين العظيم ، قوله : " ووجهها " الضمير المنصوب فيه يرجع إلى البدنة التي هي الهدي ، وليس بإضمار قبل الذكر لدلالة القرينة عليه ، قوله : " باركة " نصب على الحال .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث