حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من قلد القلائد بيده

( باب من قلد القلائد بيده )

281 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ، قالت عمرة : فقالت عائشة - رضي الله عنها - : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي ، ثم قلدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيديه ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء أحله الله حتى نحر الهدي . مطابقته للترجمة في قوله : " ثم قلدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيديه " ورجاله قد ذكروا ، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قد مر في باب الوضوء مرتين وهذه رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر سقط عمرو ، وعمرة هي خالة عبد الله الراوي عنها ، ورجال الإسناد كلهم مدنيون إلا شيخ البخاري ، وزياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ، وبعد الألف دال مهملة ابن أبي سفيان أبو المغيرة ، وهو الذي ادعاه معاوية أخا له لأبيه فألحقه بنسبه ، وقيل له : زياد بن أبيه .

والحديث أخرجه البخاري أيضا في الوكالة ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه مسلم أيضا في الحج ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك بالحديث دون القصة . قوله : " إن زياد بن أبي سفيان " كذا وقع في الموطأ ، وكان شيخ مالك حدث به كذلك في زمن بني أمية ، وأما بعدهم فما كان يقال له إلا زياد بن أبيه ، وقيل : استلحاق معاوية له ؛ لأنه كان يقال له زياد بن عبيد ، وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور ، فولدت زيادا على فراشه ، فكان ينسب إليه ، فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادا ولده ، فاستلحقه معاوية لذلك ، وزوى ابنه ابنته ، وأمر زيادا على العراقين البصرة والكوفة ، جمعهما له ، ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين ، ووقع عند مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك أن ابن زياد بدل قوله : إن زياد بن أبي سفيان قالوا : إنه وهم ، نبه عليه الغساني ومن تبعه ممن يتكلم على صحيح مسلم ، والصواب ما وقع في البخاري ؛ لأنه هو الموجود عند جميع رواة الموطأ ، وكذا وقع في سنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة ، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة - رضي الله عنها - . قوله : " من أهدى " ، أي : من بعث الهدي إلى مكة ، قوله : " على الحاج " ويروى " من الحاج " ، قوله : " حتى ينحر هديه " على صيغة المجهول ، قوله : " قالت عمرة " ، أي : عمرة بنت عبد الرحمن المذكورة في السند ، وإنما قالت بالسند المذكور ، قوله : " ثم بعث بها " ، أي : ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهدي ، وإنما أنث الضمير باعتبار البدنة ؛ لأن هديه - صلى الله عليه وسلم - الذي بعث به كان بدنة ، قوله : " مع أبي " بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة المخففة ، وهو أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - وكان بعثه - صلى الله عليه وسلم - بهديه مع أبي بكر سنة تسع عام حج أبو بكر بالناس ، قوله : " حتى نحر الهدي " ، أي : حتى نحر أبو بكر الهدي ، ويروى " حتى نحر " على صيغة المجهول ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : عدم الحرمة ليس مغيا إلى النحر إذ هو باق بعده ، فلا مخالفة بين حكم ما بعد الغاية وما قبلها .

( قلت ) : هو غاية النحر لا لما يحرم ، أي الحرمة المنتهية ، أي النحر لم يكن ، وذلك لأنه رد لكلام ابن عباس ، وهو كان مثبتا للحرمة إلى النحر ، انتهى . ووقعت زيادة في رواية مسلم هنا ، عن يحيى بن يحيى بعد قوله : " حتى ينحر الهدي " وهي : وقد بعثت بهديي ، فاكتبي إلي بأمرك ، ووقعت في رواية الطحاوي زيادة أخرى ، وهي بعد قوله : " فاكتبي إلي بأمرك أو مري صاحب الهدي " ، أي : الذي معه الهدي ، يعني مري بما يصنع ، وأخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمانية ج١٠ / ص٤١عشر طريقا كلها في بيان حجة من قال : لا يجب على من بعث بهدي أن يتجرد عن ثيابه ، ولا يترك شيء مما يتركه المحرم إلا بدخوله في الإحرام إما بحج وإما بعمرة ، وقد مضى الكلام فيه مستقصى في باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ، وقد ذكرنا أنهم ردوا قول ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - فيما ذهب إليه من قوله : " إن من بعث بهديه إلى مكة وأقام هو فإنه يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم حتى ينحر هديه " ، وقال ابن التين : خالف ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - في هذا جميع الفقهاء ، واحتجت عائشة بفعل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه ، ولعل ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - رجع عنه ، انتهى . ( قلت ) : ابن عباس لم ينفرد بذلك ، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ؛ منهم ابن عمر ، رواه ابن أبي شيبة ، عن ابن علية ، عن أيوب .

وابن المنذر من طريق ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر : كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم إلا أنه لا يلبي ، ومنهم قيس بن سعد بن عبادة ، أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك ،

وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن علي بن الحسين ، عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا في الرجل يرسل ببدنته : إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم وهذا منقطع
. وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما وجه رد عائشة على ابن عباس ؟ ( قلت ) : حاصله أن ابن عباس قال ذلك قياسا للتوكيل في أمر الهدي على المباشرة له ، فقالت له عائشة : لا اعتبار للقياس في مقابلة السنة الظاهرة ، انتهى . ( قلت ) : لا نسلم أن ابن عباس قال ذلك قياسا ، بل الظاهر أنه إنما قاله لقيام دليل من السنة عنده ، ولم يقل ابن عباس هذا وحده كما ذكرناه الآن ، ألا يرى أن جماعة من التابعين وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ومجاهد وعطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير وافقوا ابن عباس فيما ذهب إليه من ذلك ،
واحتج لهم الطحاوي في ذلك من حديث جابر بن عبد الله قال : كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا ، فقد قميصه حتى أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا وكذا ، فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ، وكان بعث ببدنة وأقام بالمدينة ، وإسناده حسن ، وأخرجه أبو عمر أيضا
.

وفي هذا الحديث من الفوائد تناول الكبير الشيء بنفسه وإن كان له من يكفيه إذا كان مما يهتم به ، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة ، وفيه رد بعض العلماء على بعض ، وفيه رد الاجتهاد بالنص ، وفيه أن الأصل في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - التأسي حتى تثبت الخصوصية .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث