حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يأكل من البدن وما يتصدق

حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى ، عن ابن جريج قال : حدثنا عطاء ، سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى ، فرخص لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : كلوا وتزودوا ، فأكلنا وتزودنا . قلت لعطاء : أقال حتى جئنا المدينة ؟ قال : لا . مطابقته للترجمة في قوله : كلوا وتزودوا إلخ ، ورجاله قد تكرر ذكرهم ، ويحيى هو ابن سعيد القطان البصري ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وعطاء هو ابن أبي رباح المكي .

والحديث أخرجه مسلم أيضا في الأضاحي ، عن أبي بكر ، عن علي بن مسهر ، وعن يحيى بن أيوب ، عن أيوب ، عن إسماعيل بن علية ، وعن محمد بن حاتم ، عن يحيى ، وأخرجه النسائي في الحج ، عن عمرو بن علي عن يحيى ، وعن عمران بن يزيد . قوله : فوق ثلاث منى بإضافة ثلاث إلى منى ، أي : الأيام الثلاثة التي كنا بمنى وهي الأيام المعدودات ، قوله : قلت لعطاء القائل هو ابن جريج ، قوله : أقال الهمزة فيه للاستفهام ، أي : أقال جابر : حتى جئنا المدينة ؟ قال : جابر لا ، يعني لم يقل جابر حتى جئنا المدينة ، ووقع في مسلم قال نعم بدل قوله : لا فروى مسلم من حديث ابن جريج حدثني عطاء قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث ، فأرخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كلوا وتزودوا . قلت لعطاء : أقال جابر حتى جئنا المدينة ؟ قال : نعم .

والتوفيق بين قوله : لا وقوله نعم أن يحمل على أنه نسي فقال : لا ، ثم تذكر فقال : نعم ، وحديث جابر هذا يخالف ما رواه مسلم ، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث ، وفي لفظ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال ، فلا تأكلوا ، وروي أيضا عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام . وقال القاضي : اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث فقال قوم : يحرم إمساك لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث ، وأن حكم التحريم باق كما قاله علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وقال جماهير العلماء : يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث ، والنهي منسوخ بحديث جابر هذا وغيره ، وهذا من نسخ السنة بالسنة ، وقال بعضهم : ليس هو نسخا بل كان التحريم لعلة ، فلما زالت زال التحريم وتلك العلة هي الدافة ، وكانوا منعوا من ذلك في أول الإسلام من أجل الدافة ، فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا ، وروى مسلم من حديث مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الله بن واقد قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث . قال عبد الله بن أبي بكر : فذكرت ذلك لعمرة فقالت : صدق ، سمعت عائشة تقول : دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ادخروا ثلاثا ، ثم تصدقوا بما بقي ، فلما كان بعد ذلك قالوا : يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فيها الودك ، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : وما ذاك ؟ قالوا : نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ، فقال : إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ، فكلوا وادخروا وتصدقوا .

قال أهل اللغة : الدافة بتشديد الفاء قوم يسيرون جميعا سيرا خفيفا ، من دف يدف بكسر الدال ، ودافة الأعراب من يرد منهم المصر ، والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة ، وقيل : كان النهي الأول للكراهة لا للتحريم ، قال هؤلاء : والكراهة باقية إلى يومنا هذا ولكن لا يحرم ، قالوا : ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفت دافة واساهم الناس ، وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، والصحيح نسخ النهي مطلقا ، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة ، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاثة والأكل إلى ما شاء لصريح حديث جابر ، وحديث بريدة أيضا يدل على ذلك ، وأخرجه مسلم من حديث عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم الحديث ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضا . واختلف في مقدار ما يؤكل منها وما يتصدق ، فذكر علقمة أن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أمره أن يتصدق بثلثه ، ويأكل ثلثه ويهدي ثلثه ، وروي عن عطاء ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال الثوري : يتصدق بأكثره ، وقال أبو حنيفة : ما يجب أن يتصدق بأقل من الثلث ، وقال صاحب الهداية : ويأكل من لحم الأضحية ، قال : هذا في غير المنذورة ، أما في المنذورة فلا يأكل الناذر ، سواء كان معسرا أو موسرا ، وبه قالت الثلاثة ، أعني مالكا والشافعي وأحمد ، وعن أحمد : يجوز الأكل من المنذورة أيضا . ثم الأكل من الأضحية مستحب عند أكثر العلماء ، وعند الظاهرية واجب ، وحكي ذلك عن أبي حفص الوكيل من أصحاب الشافعي ، قال صاحب الهداية : ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر ، ثم روى حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - الذي أخرجه مسلم ، عن أبي الزبير عنه ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ، ثم قال بعد : كلوا وتزودوا وادخروا ، انتهى .

قال ومتى جاز أكله وهو غني ، جاز أن يؤكله غنيا ، ثم قال : ويستحب أن لا تنقص الصدقة من الثلث ؛ لأن الجهات ثلاثة ؛ الأكل والادخار والإطعام ، فانقسم عليها أثلاثا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث