باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة أي هذا باب في بيان استعمال الطيب بعد رمي جمرة العقبة وبعد الحلق قبل الإفاضة أي قبل طواف الزيارة ، وهو طواف الركن ، وإنما لم يشر إلى الحكم في ذلك في الترجمة لأجل الخلاف فيه ، قال ابن المنذر : اختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت ، فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وابن الزبير ، وعائشة رضي الله عنها : أنه يحل له كل شيء إلا النساء ، وهو قول سالم ، وطاوس ، والنخعي ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، واحتجوا فيه بحديث الباب ، وروي عن ابن عمر ، وابنه : أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب ، وقال مالك : يحل له كل شيء إلا النساء والصيد ، وفي المدونة : أكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض فإن فعل فلا شيء عليه . ( قلت ) : مذهب عروة بن الزبير ، وجماعة من السلف رضي الله عنهم أنه لا يحل للحاج اللباس والطيب يوم النحر ، وإن رمى جمرة العقبة وحلق وذبح حتى تحل له النساء ، ولا تحل له النساء حتى يطوف طواف الزيارة ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي ، حدثنا يحيى بن عثمان قال : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن قالت : دخل علي عكاشة بن محصن وآخر في منى مساء يوم الأضحى فنزعا ثيابهما ، وتركا الطيب ، فقلت : ما لكما ؟ فقالا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : من لم يفض إلى البيت من عشية هذه فليدع الثياب والطيب ، وقال علقمة ، وسالم ، وطاوس ، وعبيد الله بن الحسن ، وخارجة بن زيد ، وإبراهيم النخعي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، وأحمد في الصحيح ، وأبو ثور ، وإسحاق : إذا رمى المحرم جمرة العقبة ثم حلق حل له كل شيء كان محظورا بالإحرام إلا النساء . واختلفوا في حكم الطيب ، فقال أبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي وأصحابه ، وأحمد في رواية : حكم الطيب حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس ، وقال مالك ، وأحمد في رواية : حكم الطيب حكم الجماع فلا يحل له حتى يحل الجماع ، واحتج أبو حنيفة ومن معه بحديث الباب ، وقال صاحب التوضيح : واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا : إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب ، والثياب ، وكل شيء إلا النساء ، وفيه الحجاج بن أرطاة ، وبحديث الحسن البصري عن ابن عباس ، ولم يسمع منه قال : إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ، فقال له رجل : والطيب ، فقال : أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك أفطيب هو . ( قلت ) : سبحان الله ، آثار التعصب الباطل لا تخلو عنهم فلم لم يذكر صاحب التوضيح حديث الباب في احتجاج الطحاوي لأبي حنيفة وأصحابه ، فإنه احتج لهم أولا بحديث الباب ، وأخرجه من طرق ، واحتج أيضا بالحديث الذي ذكره صاحب التوضيح وصدر كلامه به ، وغمز بقوله : وفيه الحجاج بن أرطاة ، فما للحجاج بن أرطاة ، وقد احتجت به الأربعة ، والبيهقي أيضا أخرج حديثه ، وأما حديث ابن عباس فإنه طعن فيه بأن الحسن البصري لم يسمع من ابن عباس ، فإنه ليس بالحسن البصري ، وإنما هو الحسن العرني ، وقد روي عن يحيى بن معين أن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس ، وغيره قال : سمع منه ، فالمثبت أولى من النافي على ما عرف ، وقد ذهل صاحب التوضيح ولم يفرق بين البصري والعرني ، ومع هذا فحديث ابن عباس هذا أخرجه النسائي ، وابن ماجه أيضا ، وأما الجواب عن حديث أم قيس أخت عكاشة بن محصن ، فإنه لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها ، لأن حديث عائشة فيه من الصحة ما ليس في حديث أم قيس ، وفيه ابن لهيعة ، وهو ضعيف ، وحديثه هذا شاذ . 334 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن القاسم ، وكان أفضل أهل زمانه ، أنه سمع أباه ، وكان أفضل أهل زمانه ، يقول : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم ، ولحله حين أحل قبل أن يطوف ، وبسطت يديها . مطابقته للترجمة ظاهرة من قولها : طيبت إلى آخره ، والحديث مضى في باب الطيب عند الإحرام ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة إلى آخره ، وعلي هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم . قوله : أنه سمع أباه ، وكان أفضل أهل زمانه : أي كان أبوه محمد بن أبي بكر الصديق أفضل أهل زمانه ، ويروى حدثنا سفيان ، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم ، وكان أفضل أهل زمانه ، أنه سمع أباه ، وكان أفضل أهل زمانه ، وفي التوضيح : وكان أفضل أهل زمانه في كل منهما ، وفي الأطراف أن كلا من علي بن المديني وعبد الرحمن بن القاسم يقول ذلك . ( قلت ) : أما القاسم فهو أحد الفقهاء السبعة ، وقال عمر بن عبد العزيز : لو لم يجعل سليمان الأمر إلى يزيد لندبتها في عنق القاسم يعني الخلافة ، وأما محمد فإنه كان من نساك قريش ، وله عبادة كثيرة واجتهاد وافر . قوله : حين أحرم أي حين أراد الإحرام . قوله : ولحله حين أحل ليس معناه إذا أراد الإحلال ؛ لأن التطيب لا يجوز إلا بعد الإحلال ، وهو عكس الإحرام . قوله : قبل أن يطوف : أي فالبيت طواف الزيارة ، وبقية الكلام مرت هناك .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/394739
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة