حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب السفر قطعة من العذاب

( باب السفر قطعة من العذاب )

380 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : حدثنا مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه ، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله ) . ج١٠ / ص١٣٨مطابقته للترجمة هي أنه جعل الترجمة جزءا من الحديث ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وسمي بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف القريشي المخزومي أبو عبد الله المدني ، وأبو صالح ذكوان الزيات .

والحديث أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن عبد الله بن يوسف ، وفي الأطعمة عن أبي نعيم ، وأخرجه مسلم في المغازي عن القعنبي ، وإسماعيل بن أبي أويس ، وأبي مصعب الزهري ، ومنصور بن أبي مزاحم ، وقتيبة بن سعيد ، ويحيى بن يحيى ، كلهم عن مالك ، وأخرجه النسائي في السير عن قتيبة به ، وعن عمرو بن علي ، ومحمد بن المثنى كلاهما عن يحيى بن سعيد عن مالك به . ( ذكر رجال هذا الحديث )

قال أبو عمر : هذا حديث تفرد به مالك عن سمي ولا يصح لغيره ، وانفرد به سمي أيضا فلا يحفظ عن غيره ، وهكذا هو في الموطأ عند جماعة الرواة بهذا الإسناد ، ورواه ابن مهدي عن بشر بن عمر عن مالك مرسلا ، وكان وكيع يحدث به عن مالك حينا مرسلا ، وحينا يسنده كما في الموطأ ، والمسند صحيح ثابت احتياج الناس إليه عن مالك ، وليس له غير هذا الإسناد من وجه يصح
،
وروى عبيد الله بن المنتاب عن سليمان بن إسحاق الطلحي عن هارون الفروي عن عبد الملك بن الماجشون قال : قال مالك : ما بال أهل العراق يسألوني عن حديث : " السفر قطعة من العذاب " ، قيل له : لم يروه غيرك ، فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت به
،
ورواه عصام بن رواد بن الجراح عن أبيه عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وعن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " السفر قطعة من العذاب " . قال أبو عمرو : حديث رواد عن مالك عن ربيعة عن القاسم غير محفوظ لا أعلم رواه عن مالك غيره ، وهو خطأ ، وليس رواد ممن يحتج ولا يعول عليه ، وقد رواه خالد بن مخلد ، ومحمد بن جعفر الوركاني عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ، ولا يصح لمالك عن سهيل عندي إلا أنه لا يبعد أن يكون عن سهيل أيضا ، وليس بمعروف لمالك عنه ، وقد روى عن عتيق بن يعقوب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا ، ولا يصح أيضا عندي ، وإنما هو مالك عن سمي لا عن سهيل ولا ربيعة ، ولا عن أبي النضر
.

وقد

رواه بعض الضعفاء عن مالك فقال : " وليتخذ لأهله هدية ، وإن لم يلق إلا حجرا فليلقه في مخلاته " ، قال : والحجارة يومئذ يضرب بها القداح ، وقال أبو عمرو : هذه زيادة منكرة لا تصح
.
ورواه ابن سمعان عن زيد بن أسلم عن جمهان عن أبي هريرة يرفعه : " السفر قطعة من العذاب " ، وابن سمعان كان مالك يرميه بالكذب
، قال :
وقد رويناه عن الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة بإسناد صالح لكن لا تقوى الحجة به ، وفيه : " وإذا عرستم فتجنبوا الطريق ، فإنها مأوى الهوام والدواب
" . قوله ( السفر قطعة من العذاب ) أي جزء منه ، والمراد بالعذاب الألم الناشئ عن المشقة ؛ قوله ( يمنع أحدكم ) جملة استئنافية فلذلك فصلها عما قبلها ، وهي في الحقيقة جواب عما يقال لم كان السفر كذلك ؟ فقال : لأنه يمنع أحدكم طعامه أي لذة طعامه ، وقال الخطابي : يريد أنه يمنعه الطعام في الوقت الذي يستوفيه منه لغدائه وعشائه والنوم ، كذلك يمنعه في وقته واستيفاء القدر الذي يحتاج إليه .

وقد ورد التعليل في رواية سعيد المقبري بلفظ : " السفر قطعة من العذاب لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه " .. . الحديث ، والمراد بالمنع في الأشياء المذكورة ليس منع حقيقتها ، وإنما المراد منع كمالها على ما لا يخفى ، ويؤيد ما رواه الطبراني بلفظ : " لا يهنأ أحدكم نومه ولا طعامه ولا شرابه " ، وفي حديث ابن عمر عند ابن عدي : " فإنه ليس له دواء إلا سرعة السير " . قوله ( فإذا قضى نهمته ) بفتح النون وسكون الهاء أي حاجته ، وقال ابن التين : وضبطناه أيضا بكسر النون ، وفي الموعب النهمة بلوغ الهمة بالشيء ، وهو منهوم بكذا أي مولع لا ينشرح ، وتقول : قضيت منه نهمتي أي حاجتي ، وعن أبي زيد : المنهوم الذي يمتلئ بطنه ولا تنتهي حاجته ، وعن أبي العباس : نهم ، ونهم بمعنى .

قوله ( فليعجل إلى أهله ) ، وفي رواية عتيق بن يعقوب ، وسعيد المقبري : " فليعجل الرجوع إلى أهله " ، وفي رواية مصعب : " فليعجل الكرة إلى أهله " ، وفي حديث عائشة : " فليعجل الرحلة إلى أهله فإنه أعظم لأجره . ( ومما يستفاد من الحديث ) : كراهة التغرب عن الأهل بغير حاجة ، واستحباب استعجال الرجوع ، ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة ، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا ، ولما فيها من تحصيل الجماعات والجمعات ، والقوة على العبادات ، والعرب تشبه الرجل في أهله بالأمير ، وقيل في قوله تعالى : ج١٠ / ص١٣٩وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا قال : من كان له دار وخادم فهو داخل في معنى الآية ، وقد أخبر الله تعالى بلطف محل الأزواج من أزواجهن بقوله : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً فقيل : المودة الجماع ، والرحمة الولد . فإن قلت : روى وكيع عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو يعلم الناس ما لمسافر لأصبحوا على الظهر سفرا ، إن الله لينظر إلى الغريب في كل يوم مرتين " ، وفي حديث ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم مرفوعا : " سافروا تغنموا " ، وفي رواية : " ترزقوا " ، ويروى : " سافروا تصحوا " ، فهذا معارض لحديث الباب .

قلت : حديث أبي هريرة ، قال أبو عمر : هذا حديث غريب لا أصل له من حديث مالك ولا غيره ، وأما حديث ابن عباس وابن عمر ، فقد قال ابن بطال : لا تعارض بينه وبين حديث الباب ؛ لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة ، فصار كالدواء المر المعقب للصحة ، وإن كان في تناوله الكراهة . واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني لأنه قد أمر بتعذيبه ، والسفر من جملة العذاب ، وفيه ما فيه على ما لا يخفى .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث