باب إذا أحصر المعتمر
( حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال : حدثنا جويرية عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله ، قال : أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقالا : لا يضرك أن لا تحج العام ، وإنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت ، فقال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت ، فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه ، وأشهدكم أني قد أوجبت العمرة إن شاء الله أنطلق ، فإن خلي بيني وبين البيت طفت ، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه ، فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة ثم قال : إنما شأنهما واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي ، فلم يحل منهما حتى حل يوم النحر وأهدى ، وكان يقول : لا يحل حتى يطوف طوافا واحدا يوم يدخل مكة ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حل من عمرته حتى إنه نحر هديه وحلق ، فدل أن المعتمر إذا أحصر يحل كما يحل الحاج إذا أحصر ، وهذا الحديث قد مر في باب طواف القارن بأوضح منه ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى . وعبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري ابن أخي جويرية بن أسماء ، وجويرية تصغير جارية بالجيم ، وهو من الألفاظ المشتركة بين الرجال والنساء .
قوله ( أخبراه ) أي عبيد الله وسالم ابنا عبد الله بن عمر ، وقال الكرماني : وفي بعضها بدل عبيد الله عبد الله مكبرا ، وهو الموافق للرواية التي بعده في باب النحر قبل الحلق ، وهما أخوان ، والمصغر أكبر منه ؛ قوله ( الجيش ) هو جيش الحجاج بن يوسف الثقفي كان نائب عبد الملك بن مروان ؛ قوله ( أشهدكم أني قد أوجبت ) أي ألزمت نفسي ذلك ، وكان أراد تعليم من يريد الاقتداء به ، وإلا فالتلفظ ليس بشرط ؛ قوله ( إن شاء الله ) هذا تبرك ، وليس بتعليق لأنه كان جازما بالإحرام بقرينة ( أشهدكم ) ، ويحتمل أن يكون منقطعا عما قبله ، ويكون ابتداء شرط والجزاء انطلق ؛ قوله ( إن شأنهما واحد ) أي إن أمر العمرة والحج واحد في جواز التحلل منهما بالإحصار ؛ قوله ( طوافا واحدا ) قال الكرماني : أي لا يحتاج القارن إلى طوافين بل يحل بطواف واحد . قلت : هذا التفسير لأجل نصرة مذهبه ، وقد قامت دلائل أخرى أن القارن يحتاج إلى طوافين وسعيين ، وتكلمنا في هذا الباب في شرحنا لمعاني الآثار بما فيه الكفاية فلينظر فيه هناك . وفي هذا الحديث من الفوائد أن الصحابة كانوا يستعملون القياس ، ويحتجون به ، وأن المحصر بالعدو جاز له التحلل سواء كان عن حجة أو عمرة ، وأنه ينحر هديه ويحلق رأسه أو يقصر منه ، وفيه جواز إدخال الحج على العمرة لكن شرطه عند الجمهور أن يكون قبل الشروع في طواف العمرة ، وعند الحنفية إن كان قبل مضي أربعة أشواط صح ، وعند المالكية بعد تمام الطواف ، ونقل ابن عبد البر أن أبا ثور شذ فمنع إدخال الحج على العمرة قياسا على منع إدخال العمرة على الحج ، وفيه أن القارن يهدي ، وقال ابن حزم : لا هدي على القارن ، وفيه جواز الخروج إلى النسك في الطريق المظنون خوفه إذا رجي السلامة قاله أبو عمر بن عبد البر رحمه الله .