باب الحجامة للمحرم
( باب الحجامة للمحرم ) ( وكوى ابن عمر ابنه وهو محرم ) . يستأنس مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن كلا من الحجامة والكي يستعمل للتداوي عند الضرورة ، وابن عمر هو عبد الله ، واسم ابنه واقد بالقاف ، ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال : أصاب واقد بن عبد الله بن عمر برسام في الطريق وهو متوجه إلى مكة فكواه ابن عمر .
( ويتداوى ما لم يكن فيه طيب ) . 410 - ( حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : قال عمرو : أول شيء سمعت عطاء يقول : سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، ثم سمعته يقول : حدثني طاوس عن ابن عباس ، فقلت : لعله سمعه منهما ) .
مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني . الثاني : سفيان بن عيينة ج١٠ / ص١٩٣الثالث : عمرو بن دينار .
الرابع : عطاء بن أبي رباح . الخامس : طاوس اليماني . السادس : عبد الله بن عباس .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه السماع في موضعين . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) . أخرجه البخاري أيضا في الطب عن مسدد .
وأخرجه مسلم في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم . وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل . وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة .
وأخرجه النسائي فيه ، وفي الصوم عن قتيبة ، ومحمد بن منصور ، وفي الباب عن أنس ، وعبد الله بن بحينة ، وجابر ، وابن عمر . أما حديث أنس فأخرجه أبو داود من رواية معمر : " عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم على ظهر القدم من وجع كان به " ، ورواه ابن عدي من رواية عبد الله بن عمر العمري ، عن حميد : " عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - احتجم وهو محرم من وجع كان في رأسه " . وأما حديث عبد الله بن بحينة فمتفق عليه على ما يجيء إن شاء الله تعالى .
وأما حديث جابر فأخرجه النسائي ، وابن ماجه من رواية أبي الزبير : " عن جابر ، أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - احتجم وهو محرم من وثي كان به " ، وقال ابن ماجه : من رهصة أخذته . وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن عدي في الكامل من رواية مسلم بن سالم البلخي ، عن عبيد الله العمري : " عن نافع ، عن ابن عمر قال : احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم صائم ، وأعطى الحجام أجره " . ( ذكر معناه ) قوله : " قال : عمرو " : أي عمرو بن دينار ، قوله : " أول شيء " : أي أول مرة بقرينة ، ثم سمعته يقول : أي روى عطاء أولا عن ابن عباس بدون الواسطة ، وثانيا بواسطة طاوس ، كذا قاله الكرماني ، ورد عليه بعضهم فقال : هذا كلام من لم يقف على طرق الحديث ، ولا يعلم مع ذلك لعطاء عن طاوس رواية أصلا .
( قلت ) : الرد له وجه ؛ لأن إثبات الواسطة ونفيها في رواية عطاء لا دخل له هنا ، وإنما الكلام في أن عمرو بن دينار تارة يقول : سمعت عطاء يقول : سمعت ابن عباس ، وتارة يقول : سمعت طاوسا عن ابن عباس ، فهذا يدل على أن عمرا سمع من عطاء وطاوس ، وهو كذلك على ما نذكره عن مسلم وغيره . قوله : " وهو محرم " جملة حالية ، قوله : " ثم سمعته يقول " مقول سفيان ، والضمير المنصوب الذي فيه يرجع إلى عمرو ، وكذا قوله : فقلت : لعله سمعه : أي لعل عمرا سمع الحديث منهما : أي من عطاء وطاوس ، وقد بين ذلك الحميدي عن سفيان ، فقال : حدثنا بهذا الحديث عمرو مرتين ، فذكره لكن قال : فلا أدري أسمعه منهما ، أو كانت إحدى الروايتين وهما ، وزاد أبو عوانة قال سفيان : ذكر لي أنه سمعه منهما جميعا . وفي رواية مسلم : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن طاوس وعطاء ، عن ابن عباس ، وفي رواية أبي داود ، والترمذي كذلك ، وفي رواية النسائي عن سفيان ، يعني ابن عيينة قال : قال لنا عمرو ، يعني ابن دينار : سمعت عطاء قال : سمعت ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - يقول : " احتجم النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وهو محرم " ، ثم قال بعد : أخبرني طاوس ، عن ابن عباس : " احتجم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو محرم " .
وفي رواية ابن خزيمة ، عن عبد الجبار بن العلاء ، عن ابن عيينة نحو رواية علي بن عبد الله ، وقال في آخره : فظننت أنه رواه عنهما جميعا . ( ذكر ما يستفاد منه ) دل الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقا ، وبه قال عطاء ومسروق ، وإبراهيم ، وطاوس ، والشعبي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وهو قول الشافعي وأحمد ، وإسحاق ، وأخذوا بظاهر هذا الحديث ، وقالوا : ما لم يقطع الشعر ، وقال قوم : لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة ، وروي ذلك عن ابن عمر ، وبه قال مالك ، وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول : " إن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - احتجم لضرر كان به " . رواه هشام بن حسان عن عكرمة : " عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما احتجم وهو محرم في رأسه لأذى كان به " ، ورواه حميد الطويل : " عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال : احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجع كان به " ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعر رأسه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة ، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كعب بن عجرة ، فإن لم يحلق المحتجم شعرا فهو كالعرق يقطعه ، أو الدمل يبطه ، أو القرحة ينكؤها ، ولا يضره ذلك ولا شيء عليه عند جماعة العلماء ، وعند الحسن البصري عليه الفدية ، وقال ابن التين : الحجامة ضربان موضع يحتاج إلى ج١٠ / ص١٩٤حلق الشعر فيفتدي من فعله ، والأصل جوازه لهذا الخبر ، وفي الفدية قوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ الآية ، وموضع يحتاج إلى حلق في غير الرأس فيفتدي ، قال عبد الملك في المبسوط : شعر الرأس والجسد سواء ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، وقال أهل الظاهر : لا فدية عليه إلا أن يحلق رأسه ، وإن كانت الحجامة في موضع لا يحتاج إلى حلق فإن كانت لضرورة جازت ولا فدية ، وإن كانت لغير ضرورة فمنعه مالك ، وأجازه سحنون ، وروي نحوه عن عطاء .