باب حج النساء
حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قزعة مولى زياد قال : سمعت أبا سعيد وقد غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثنتي عشرة غزوة قال : أربع سمعتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو قال يحدثهن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعجبنني وآنقنني : أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم ، ولا صوم يومين الفطر والأضحى ، ولا صلاة بعد صلاتين بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجدي ، ومسجد الأقصى . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو محرم وجه ذلك أنه إذا منعت من السفر هذه المدة بهذا الشرط ، فالسفر أعم من أن يكون للحج أو غيره ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب مسجد بيت المقدس ، فأخرجه عن أبي الوليد ، عن شعبة ، عن عبد الملك إلى آخره ، وفيه بعض نقصان ، فالناظر يعتبره ، وقد مضى الكلام فيه مستوفى هناك . قوله : يحدثهن ووقع عند الكشميهني بلفظ : أو قال أخذتهن بالخاء والذال المعجمتين من الأخذ ، ومعناه حملتهن عنه قوله : وآنقنني بفتح النونين وسكون القاف بلفظ جمع مؤنث ماض من باب الإفعال : أي أعجبنني الكلمات الأربع ، وقال النووي : كرر المعنى باختلاف اللفظ ، والعرب تفعل ذلك كثيرا ؛ للبيان والتوكيد ، كقوله تعالى : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ قوله : أو ذو محرم ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وعن أبي ذر في بعض النسخ : أو ذو محرم محرم الأول : بفتح الميم وتخفيف الراء المفتوحة ، والثاني : بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة : أي محرم عليها .
وهذا الحديث مشتمل على أربعة أحكام : الأول سفر المرأة وقد مضى الكلام فيه ، الثاني : منع صوم الفطر والأضحى ، وسيأتي بحث ذلك في كتاب الصيام ، الثالث : منع الصلاة بعد الصبح والعصر ، وقد تقدم بحثه في أواخر كتاب الصلاة ، الرابع : منع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب مسجد بيت المقدس . قوله : أن لا تسافر بالرفع لا غير ؛ لأن كلمة أن مفسرة لا ناصبة ، قوله : ليس معها زوجها ، وفي حديث أبي معبد لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ، فمفهومه أنها لا تسافر مع الزوج ، ولا يعتبر هذا المفهوم ؛ لأنه مفهوم المخالفة ، وهو ساقط إذا كان للكلام مفهوم الموافقة ، وهاهنا السفر مع الزوج بطريق الأولى ، قوله : ولا صوم يومين صوم اسم لا ، ويومين خبره : أي لا صوم في هذين اليومين ، ويجوز أن يكون صوم مضافا إلى يومين ، والتقدير : لا صوم يومين ثابت أو مشروع . ذكر اختلاف مدة السفر الممنوعة ، ففي رواية أبي سعيد في حديث الباب : مسيرة يومين ، وروي عنه : لا تسافر ثلاثا ، وروي عنه أيضا : لا تسافر فوق ثلاث ، وروي عن أبي هريرة : لا تسافر ثلاثا ، وروي عنه : لا تسافر يوما وليلة ، وروي عنه : لا تسافر يوما ، وروي : لا تسافر بريدا ، وروي عن ابن عمر : لا تسافر ثلاثا ، وروي عنه : لا تسافر فوق ثلاث ، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص : لا تسافر ثلاثا ، رواه الطحاوي والعدني في مسنده ، وقال القاضي عياض : هذا كله ليس بتنافر ، ولا يختلف ، وقد يكون هذا في مواطن مختلفة ، ونوازل متفرقة ، فحدث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهده ، وإن حدث بها واحد فحدث مرات بها على اختلاف ما سمعها ، وقد يمكن أن يلفق بينها بأن اليوم المذكور مفرد ، أو الليلة المذكورة مفردة ، بمعنى اليوم والليلة المجموعين ؛ لأن اليوم من الليل ، والليل من اليوم ، ويكون ذكره يومين مدة مغيبها في هذا السفر في السير والرجوع ، فأشار مرة بمسافة السفر ، ومرة بمدة المغيب ، وهكذا ذكر الثلاث فقد يكون اليوم الوسط بين السير والرجوع الذي يقضي حاجتها بحيث سافرت له ، فتتفق على هذا الأحاديث ، وقد يكون هذا كله تمثيلا لأقل الأعداد للواحد ؛ إذ الواحد أول العدد وأقله ، والاثنان أول التكثير وأقله ، والثلاث أول الجمع ، فكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير ذي محرم ، فكيف بما زاد ؟ ولهذا قال في الحديث الآخر : ثلاثة أيام فصاعدا .
وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف الفقهاء في تقصير المسافة ، وأقل السفر انتهى . وقال الطحاوي : حديث الثلاث واجب استعماله على كل حال ، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر ، ولا يجب إن كان هو المتقدم ، فالذي وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما يجب استعماله في حال ، وتركه في حال . ( فإن قلت ) في هذا الباب رواية ابن عباس غير مضطربة ، ورواية غيره ممن ذكرناهم الآن مضطربة ، فكان الأخذ برواية من روى عنه سالما من الاضطراب أولى من رواية من اضطربت الرواية عنه ، فحينئذ الأخذ برواية ابن عباس أولى ؛ لما ذهب إليه النخعي والشعبي ، وقد ذكرنا أن مذهب هذين ، ومذهب طاوس ، والظاهرية عدم جواز سفر المرأة مطلقا ، سواء كان السفر قريبا أو بعيدا إلا ومعها ذو محرم لها .
( قلت ) : رواية غير ابن عباس زادت على رواية ابن عباس ، فالأخذ بالزائد أولى ، ولكن الزائد في نفسه مختلف ، فرجح خبر الثلاث لما ذكره الطحاوي الذي مضى الآن .