باب من نذر المشي إلى الكعبة
( باب من نذر المشي إلى الكعبة ) . 436 - حدثنا ابن سلام قال : أخبرنا الفزاري ، عن حميد الطويل قال : حدثني ثابت ، عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى شيخا يهادى بين ابنيه قال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي قال : إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني ، أمره أن يركب .
مطابقته للترجمة من حيث إنه جواب لها وبيان لإبهامها . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والفزاري بفتح الفاء وتخفيف الزاي ، وبالراء هو مروان بن معاوية ، وقد مر في فضل صلاة العصر ، وقال ابن حزم : الفزاري هذا هو أبو إسحاق الفزاري ، أو مروان ، كلاهما ثقة إمام ، وأما خلف وأبو نعيم ، والطرقي وغيرهم من أصحاب الأطراف والمستخرجات ، فذكروا أنه مروان ، ورواه مسلم ج١٠ / ص٢٢٥في النذور ، عن ابن أبي عمر ، حدثنا مروان ، حدثنا حميد فذكره . وأخرجه مسلم أيضا عن يحيى بن يحيى ، عن يزيد بن زريع ، وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور ، عن مسدد ، عن يحيى ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن ابن المثنى ، عن خالد بن الحارث قال حميد عن ثابت : " عن أنس قال : مر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بشيخ كبير يهادى بين ابنيه ، فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر يا رسول الله أن يمشي ، قال : إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه ، فأمره أن يركب " .
وقال : حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري قال : حدثنا عمرو بن عاصم ، عن عمران القطان ، عن حميد ، " عن أنس قال : نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله تعالى ، فسئل نبي الله – صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ؟ فقال : إن الله لغني عن مشيها ، مروها فلتركب " ، وقال : حديث حسن ، وأخرجه النسائي في الأيمان والنذور ، عن ابن المثنى ، عن خالد ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن حماد بن مسعدة عن حميد به . قوله : " حدثني ثابت " هكذا قال أكثر الرواة ، عن حميد ، وهذا الحديث مما صرح به حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس ، وقد حدثه في وقت آخر ، فأخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ، والترمذي من طريق ابن أبي عدي كلاهما جميعا ، عن حميد بلا واسطة ، ويقال : إن غالب رواية حميد ، عن أنس بواسطة ، لكن قد أخرج البخاري من حديث حميد ، عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة مع الاعتناء ببيان سماعه لها ، عن أنس ، وقد وافق عمران القطان ، عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس ، لكن خالفهم في المتن ، أخرجه الترمذي من طريقه بلفظ : " نذرت امرأة " وقد ذكرناه الآن . قوله : " يهادى " بضم الياء آخر الحروف على صيغة المجهول من المهاداة ، وهي أن يمشي بين اثنين معتمدا عليهما ، وفي رواية الترمذي من طريق خالد بن الحارث ، عن حميد يتهادى بفتح الياء ، ثم بالتاء المثناة من فوق من باب التفاعل ، والأول من باب المفاعلة ، وفي التلويح الرجل الذي يهادى ، قال الخطيب : هو أبو إسرائيل ، وقال النووي : اسمه قيس ، وقيل : قيصر ، انتهى .
قال : ولم أر مسمى به في الصحابة . قوله : " ما بال هذا ؟ " : أي ما شأنه ، وكذا وقع في رواية مسلم ، قوله : " قالوا نذر " ، وفي رواية مسلم : " قال ابناه : يا رسول الله ، كان عليه نذر " ، قوله : " أن يمشي " كلمة أن مصدرية : أي نذر المشي ، قوله : " أمره أن يركب " ، ويروى : " وأمره أن يركب " : أي بالركوب ؛ لأن أن مصدرية . واحتج أهل الظاهر بهذا الحديث ، وبحديث عقبة الآتي فيه ، فقالوا : من عجز عن المشي فلا هدي عليه ، ولا يثبت في ذمته إلا بيقين ، وليس المشي مما يوجب نذرا ، ولأن فيه تعب الأبدان ، وليس الماشي في حال مشيه في حرمة إحرامه ، فلم يجب عليه المشي ولا بدل منه .
وسائر الفقهاء لهم في هذه المسألة أقوال غير هذا القول الأول ، روي عن علي ، وابن عمر - رضي الله عنهم - : " من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه أنه يمشي ما استطاع ، فإذا عجز ركب ، وأهدى شاة " ، وهو قول عطاء ، والحسن ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، وقال أبو حنيفة : وكذا إن ركب وهو غير عاجز ، ويكفر عن يمينه لحنثه ، حكاه الطحاوي ، وقال الشافعي : الهدي في هذه احتياط من قبل أنه من لم يطق شيئا سقط عنه ، وحجتهم قوله : " فلتركب ولتهد " . والقول الثاني : يعود ثم يحج مرة أخرى ، ثم يمشي ما ركب ولا هدي عليه ، وهو قول ابن عمر ، ذكره مالك في الموطأ ، وروي عن ابن عباس ، وابن الزبير ، والنخعي ، وابن جبير . والقول الثالث : يعود فيمشي ما ركب ، وعليه الهدي ، وهو مروي عن ابن عباس أيضا ، وروي عن النخعي ، وابن المسيب ، وهو قول مالك جمع عليه الأمرين : المشي ، والهدي احتياطا .