باب فضائل المدينة وباب حرم المدينة
حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا ثابت بن يزيد قال : حدثنا عاصم أبو عبد الرحمن الأحول عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها ، ولا يحدث فيها حدث من أحدث فيها حدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . مطابقته للترجمة في قوله : المدينة حرم من كذا إلى كذا . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي .
الثاني : ثابت بالثاء المثلثة في أوله ابن يزيد من الزيادة مر في باب ميمنة المسجد . الثالث : عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الله ، ويقال : أبو عبد الرحمن ، وقد مر في باب الأذان . الرابع : أنس بن مالك - رضي الله عنه - .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وفيه أن ثابتا يقال له : الأحول ، وكذلك عاصم بن سليمان الأحول ، وفيه عن أنس ، وفي رواية عبد الواحد ، عن عاصم . قلت لأنس : وفي الاعتصام سألت أنسا ، وكذلك في رواية مسلم ، وفيه أنه من الرباعيات . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام ، عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد بن زياد ، وأخرجه مسلم في المناسك ، عن عامر بن عمر ، وعن زهير بن حرب .
( ذكر معناه ) قوله : المدينة حرم : أي محرمة لا تنتهك حرمتها ، قوله : من كذا إلى كذا هكذا جاء من غير بيان ، وسيأتي في هذا الباب ، عن علي ما بين عائر إلى كذا ، وذكره في الجزية وغيرها بلفظ عير ، وهو جبل بالمدينة ، وقال ابن المنير ، قوله : من عير إلى كذا سكت عن النهاية ، وقد جاء في طريق آخر : ما بين عير إلى ثور ، وقال : والظاهر أن البخاري أسقطها عمدا ؛ لأن أهل المدينة ينكرون أن يكون بها جبل يسمى ثورا ، وإنما ثور بمكة ، فلما تحقق عند البخاري أنه وهم أسقطه ، وذكر بقية الحديث وهو مقيد ، يعني بقوله : من عير إلى كذا إذ البداءة يتعلق بها حكم فلا يترك لإشكال سنح في حكم النهاية انتهى . وقد أنكر مصعب الزهري وغيره هاتين الكلمتين ، أعني عيرا وثورا ، وقالوا : ليس بالمدينة عير ولا ثور ، وقال مصعب : عير بمكة ، ومنهم من ترك مكانه بياضا إذا اعتقدوا الخطأ في ذكره ، وقال أبو عبيد : كان الحديث من غير إلى أحد . ( قلت ) : اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني ، ووقع عند مسلم إلى ثور ، وقال أبو عبيد قوله : ما بين عير إلى ثور : هذه رواية أهل العراق ، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا عندهم ، يقال له : ثور ، وإنما ثور بمكة ، ونرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد ، وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد ، والطبراني ، وقال عياض : لا معنى لإنكار عير بالمدينة ، فإنه معروف ، وفي المحكم والمثلث : عير اسم جبل بقرب المدينة معروف .
وقال المحب الطبري في الأحكام بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه : قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له : ثور ، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض ، وما فيها من الجبال ، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور ، وتواردوا على ذلك ، قال : فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح ، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته ، وعدم بحثهم عنه ، وذكر الشيخ قطب الدين الحلبي رحمه الله في شرحه حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق ، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل ، فكان يذكر له الأماكن والجبال ، قال : فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبيل صغير ، فسألته عنه فقال : هذا يسمى ثورا ، قال : فعلمت صحة الرواية . وقال ابن قدامة : يحتمل أن يكون مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدار ما بين عير وثور لا أنهما بعينهما في المدينة ، أو سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجبلين اللذين نظر في المدينة عيرا وثورا تحرزا وارتجالا . ( قلت ) : العير بفتح العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وثور بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو ، ويروى ما بين عائر إلى كذا بألف بعد العين ، قوله : لا يقطع شجرها وفي رواية يزيد بن هارون : لا يختلى خلاها ، وفي حديث جابر عند مسلم : لا يقطع عضاهها ، ولا يصاد صيدها ، قوله : ولا يحدث بلفظ المعلوم والمجهول : أي لا يعمل فيها عمل مخالف للكتاب والسنة ، وزاد شعبة فيه ، عن عاصم عند أبي عوانة : أو آوى محدثا وهذه الزيادة صحيحة ، إلا أن عاصما لم يسمعها من أنس ، قوله : حدثا هو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة ، والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول ، فمعنى الكسر من نصر جانيا ، وآواه وأجاره من خصمه ، وحال بينه وبين أن يقتص منه ، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه ، قوله : فعليه لعنة الله إلى آخره ، هذا وعيد شديد لمن ارتكب هذا ، قالوا : المراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه ، والطرد عن الجنة ؛ لأن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد ، وليس هي كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد .
( ذكر ما يستفاد منه ) احتج بهذا الحديث محمد بن أبي ذئب ، والزهري ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وقالوا : المدينة لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها ، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم ، خلافا لابن أبي ذئب ، فإنه قال : يجب الجزاء ، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي ، وقال في القديم : من اصطاد في المدينة صيدا أخذ سلبه ، ويروى فيه أثرا عن سعيد ، وقال في الجديد بخلافه ، وقال ابن نافع : سئل مالك عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهي ، فقال : إنما نهي عن قطع سدر المدينة ؛ لئلا توحش ، وليبقى فيها شجرها ، ويستأنس بذلك ويستظل به من هاجر إليها . وقال ابن حزم : من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه كل ما معه في حاله تلك ، وتجريده إلا ما يستر عورته فقط ؛ لما روى مسلم : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، وعبد بن حميد جميعا عن العقدي قال عبد : أخبرنا عبد الملك بن عمر ، وقال : حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن إسماعيل بن محمد ، عن عامر بن سعد أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق ، فوجد عبدا يقطع شجرا ، ويخبطه ، فسلبه ، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم ، فقال : معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبى أن يرده عليهم . وقال الثوري ، وعبد الله بن المبارك ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : ليس للمدينة حرم كما كان لمكة ، فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها ، وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه – صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك لا لأنه لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها ، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ؛ ليستطيبوها ويألفوها ، كما ذكرنا عن قريب ، عن ابن نافع سئل مالك عن قطع سدر المدينة إلى آخره ، وذلك كمنعه – صلى الله عليه وسلم - من هدم آطام المدينة ، وقال : إنها زينة المدينة على ما رواه الطحاوي ، عن علي بن عبد الرحمن قال : حدثنا يحيى بن معين قال : حدثنا وهب بن جرير ، عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن آطام المدينة أن تهدم ، وفي رواية : لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة ، وهذا إسناد صحيح .
ورواه البزار في مسنده ، والآطام جمع أطم بضم الهمزة والطاء ، وهو بناء مرتفع ، وأراد بآطام المدينة : أبنيتها المرتفعة ، كالحصون ، ثم ذكر الطحاوي دليلا على ذلك من حديث حميد الطويل ، عن أنس قال : كان لآل أبي طلحة ابن من أم سليم يقال له : أبو عمير ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضاحكه إذا دخل ، وكان له نغير ، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى أبا عمير حزينا ، فقال : ما شأن أبي عمير ؟ فقيل : يا رسول الله ، مات نغيره ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا عمير ما فعل النغير . وأخرجه من أربع طرق ، وأخرجه مسلم أيضا ، حدثنا شيبان بن فروخ قال : حدثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح : عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير - قال : وأحسبه قال فطيما - قال : فكان إذا جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرآه قال : أبا عمير ما فعل النغير ؟ قال : فكان يلعب به . وأخرجه النسائي أيضا في اليوم والليلة ، والبزار في مسنده ، واسم أبي طلحة زيد بن أبي سهل الأنصاري ، وأم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك ، واسمها سهلة ، أو رميلة ، أو مليكة .
ونغير بضم النون وفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء مصغر نغر ، وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار ، ويجمع على نغران ، قال الطحاوي : فهذا قد كان بالمدينة ، ولو كان حكم صيدها كحكم صيد مكة إذا لما أطلق له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبس النغير ، ولا اللعب به ، كما لا يطلق ذلك بمكة . وقال بعضهم : احتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير ، ونقل عنه ما ذكرناه ، ثم قال : وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل انتهى . ( قلت ) : لا تقوم الحجة بالاحتمال الذي لا ينشأ عن دليل ، واعترضوا أيضا بأنه يجوز أن يكون من صيد الحل ، ثم أدخله المدينة ، ورد بأن صيد الحل إذا أدخل الحرم يجب عليه إرساله ، فلا يرد علينا ، ثم قال الطحاوي : فقال قائل : فقد يجوز أن يكون هذا الحديث بقناة ، وذلك الموضع غير موضع الحرم ، فلا حجة لكم في هذا الحديث ، فنظرنا : هل نجد مما سوى هذا الحديث ما يدل على شيء من حكم صيد المدينة ؟ فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي ، وفهد قد حدثانا قالا : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن مجاهد قال : قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها - : كان لآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحش ، فإذا خرج لعب ، واشتد وأقبل وأدبر ، فإذا أحس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دخل ربض ، فلم يترمرم كراهة أن يؤذيه ، فهذا بالمدينة في موضع قد دخل فيما حرم منها ، وقد كانوا يؤوون فيه الوحوش ، ويتخذونها ، ويغلقون دونها الأبواب ، وقد دل هذا أيضا على أن حكم المدينة في ذلك بخلاف حكم مكة .
( قلت ) : وإسناده صحيح ، وأخرجه أحمد أيضا في مسنده ، والوحش واحد الوحوش ، وهي حيوان البر . قوله : ربض من الربوض ، وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب ، كبروك الجمل وحشوم الطير . قوله : لم يترمرم من ترمرم إذا حرك فاه للكلام ، وهي بالراءين المهملتين .
وروى الطحاوي أيضا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن سلمة بن الأكوع أنه كان يصيد ، ويأتي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من صيده فأبطأ عليه ، ثم جاء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما الذي حبسك ؟ فقال : يا رسول الله ، انتفى عنا الصيد ، فصرنا نصيد ما بين تيت إلى قناة ، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أما أنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت ، وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق وأخرجه من ثلاث طرق ، وأخرجه الطبراني أيضا ، ثم قال الطحاوي : ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة ، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دل سلمة وهوبها على موضع الصيد ، وذلك لا يحل بمكة ، فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة . قوله : تيت بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره تاء مثناة أخرى ، ويقال : تيت على وزن سيد ، وقال الصاغاني : هو جبل قرب المدينة على بريد منها . وأما الجواب عن حديث سعد بن أبي وقاص في أمر السلب فهو أنه كان في وقت ما كانت العقوبات التي تجب بالمعاصي في الأموال ، فمن ذلك ما روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الزكاة أنه قال : من أداها طائعا فله أجرها ومن لا أخذناها منه وشطر ماله ، ثم نسخ ذلك في وقت نسخ الربا .
وقال ابن بطال حديث سعد بن أبي وقاص في السلب لم يصح عند مالك ، ولا رأى العمل عليه بالمدينة . ومن فوائد الحديث ما قاله القاضي عياض فإنهم استدلوا بقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : لعنه الله على أن ذلك من الكبائر ؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة ، وفيه أن المحدث والمروي له في الإثم سواء .