باب فضائل المدينة وباب حرم المدينة
حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن علي - رضي الله عنه - قال : ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثا ، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، وقال : ذمة المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . مطابقته للترجمة في قوله : المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : محمد بن بشار بفتح الباء الموحدة ، وتشديد الشين المعجمة ، وقد تكرر ذكره .
الثاني : عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري . الثالث : سفيان الثوري . الرابع : سليمان الأعمش .
الخامس : إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي . السادس : أبوه يزيد . السابع : علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري ، ويلقب ببندار ، وكذلك شيخ شيخه بصري ، والبقية كوفيون وفيه ثلاثة من التابعين في نسق واحد ، وهم الأعمش وإبراهيم وأبوه يزيد ، وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه ، وخالفهم شعبة فرواه عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد عن علي . أخرجه النسائي قال : أخبرنا بشر بن خالد العسكري قال : أخبرنا غندر ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد قال : قيل لعلي - رضي الله تعالى عنه - : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصكم بشيء دون الناس عامة ، قال : ما خصنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء لم يخص الناس ، ليس شيئا في قراب سيفي هذا ، فأخذ صحيفة فيها شيء من أسنان الإبل ، وفيها : إن المدينة حرم ما بين ثور إلى عير فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ، وذمة المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل . انتهى ، وقال الدارقطني في العلل : والصواب رواية الثوري ومن تبعه .
( ذكر معناه ) قوله : ما عندنا شيء : أي شيء مكتوب من أحكام الشريعة وإلا فكان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب ؛ لأن السنن لم تكن مكتوبة في الكتب في ذلك الوقت ولا مدونة في الدواوين . وقال الكرماني : ( فإن قلت ) تقدم باب في كتاب العلم أنه كان في الصحيفة العقل وفكاك الأسير ، وهاهنا قال المدينة حرم إلى آخره ( قلت ) : لا منافاة بينهما ؛ لجواز كون الكل فيها . ( فإن قلت ) ما سبب قول علي - رضي الله تعالى عنه - هذا ؟ ( قلت ) : يظهر ذلك بما رواه أحمد من طريق قتادة ، عن أبي حسان الأعرج أن عليا - رضي الله تعالى عنه - كان يأمر بالأمر فيقال له : قد فعلنا ، فيقول : صدق الله ورسوله ، فقال له الأشتر : هذا الذي تقول شيء عهده إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما عهد إلي شيئا خاصا دون الناس إلا شيئا سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها فذكر الحديث ، وزاد فيه : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده ، وقال فيه : إن إبراهيم حرم وإني أحرم ما بين حرتيها وحماها كله لا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط لقطتها ، ولا تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره ، ولا يحمل فيها السلاح لقتال .
والباقي نحوه ، وأخرجه الدارقطني من وجه آخر ، عن قتادة ، عن أبي حسان ، عن الأشتر ، عن علي - رضي الله تعالى عنه - ، وفي رواية أحمد ، وأبي داود ، والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن عن قيس بن عباد قال : انطلقت أنا والأشتر إلى علي - رضي الله تعالى عنه - فقلنا : هل عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا لم يعهده إلى الناس عامة قال : لا ، إلا ما في كتابي هذا ، قال : وكتاب في قراب سيفه ، فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، فذكر مثل ما تقدم إلى قوله : في عهده من أحدث حدثا إلى قوله : أجمعين ولم يذكر بقية الحديث ، وروى مسلم من طريق أبي الطفيل : كنت عند علي فأتاه رجل ، فقال : ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسر إليك ؟ فغضب ، ثم قال : ما كان يسر إلي شيئا يكتمه عن الناس ، غير أنه حدثني بكلمات أربع ، وفي رواية له : ما خصنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء لم يعم به الناس كافة ، إلا ما كان في قراب سيفي هذا ، فأخرج صحيفة مكتوب فيها : لعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من سرق منار الأرض ، ولعن الله من لعن والده ، ولعن الله من آوى محدثا ، وقد تقدم في كتاب العلم من طريق أبي جحيفة : قلت لعلي - رضي الله تعالى عنه - : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله الحديث . ( فإن قلت ) : كيف وجه الجمع بين هذه الأخبار ؟ ( قلت ) : وجه ذلك أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر ، فنقل كل من الرواة بعضها ، وأتمها سياقا طريق أبي حسان كما ترى والله أعلم . قوله : المدينة حرم بفتحتين : أي محرمة ، لا تنتهك حرمتها ، قوله : ما بين عائر إلى كذا ، وعائر بالعين المهملة والألف والهمزة والراء ، وهو جبل بالمدينة ، ويروى : ما بين عير بدون الألف ، وقال القاضي عياض : أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا ، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بلفظ كذا ، ومنهم من ترك مكانه بياضا ، وقد مر الكلام فيه مستقصى في أول باب حرم المدينة .
قوله : من أحدث فيها : أي في المدينة ، ورواية قيس بن عباد التي تقدمت تفيد بهذا ؛ لأن ذلك مختص بالمدينة لفضلها وشرفها ، قوله : أو آوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعا ، لكن القصر في اللازم ، والمد في المتعدي أشهر . قوله : محدثا قد ذكرنا أن فيه فتح الدال وكسرها ، فالمعنى بالفتح أي المحدث في أمر الدين والسنة ، ومعنى الكسر صاحبه الذي أحدثه ، أو جاء ببدعة في الدين ، أو بدل سنة ، وقال التيمي : يعني من ظلم فيها ، أو أعان ظالما . قوله : صرف : أي فريضة ، وعدل : أي نافلة ، وقال الحسن : الصرف النافلة ، والعدل الفريضة ، عكس قول الجمهور ، وقال الأصمعي : الصرف التوبة ، والعدل الفدية ، قالوا : معناه لا تقبل قبول رضى وإن قبلت قبول جزاء ، وعن أبي عبيدة : الصرف الاكتساب ، والعدل الحيلة ، وقيل : الصرف الدية ، والعدل الزيادة عليها ، وقيل بالعكس ، وفي المحكم : الصرف الوزن ، والعدل الكيل ، وقيل : الصرف القيمة ، والعدل الاستقامة ، وقيل : الصرف الشفاعة ، والعدل الفدية ، وبه جزم البيضاوي ، وقيل : القبول بمعنى تكفير الذنب بهما ، وقال عياض : وقد يكون معنى الفدية هنا ؛ لأنه لا يجد في القيامة فداء يفتدى به ، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله عز وجل على من يشاء منهم بأنه يفديه من النار بيهودي أو نصراني ، كما ثبت في الصحيح .
قوله : ذمة المسلمين : أي عهدهم وأمانهم صحيح ، فإذا آمن الكافر واحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له ونقض ذمته ، وللأمان شروط مذكورة في كتب الفقه . قوله : فمن أخفر مسلما : أي نقض عهده يقال : خفرت الرجل بغير ألف إذا آمنته ، وأخفرته إذا نقضت عهده ، فالهمزة للإزالة ، وقد علم في علم الصرف أن الهمزة في أفعل تأتي لمعان ، منها أنها تأتي للسلب ، يعني لسلب الفاعل من المفعول أصل الفعل ، نحو أشكيته : أي أزلت شكايته ، والهمزة في أخفر من هذا القبيل . قوله : ومن تولى قوما : أي من اتخذهم أولياء ، قوله : بغير إذن مواليه ليس بشرط لتقييد الحكم بعدم الإذن ، وقصره عليه ، وإنما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب ، وقال الخطابي : لم يجعل إذن الموالي شرطا في ادعاء نسب ، أو ولاء ليس هو منه وإليه ، وإنما ذكر الإذن في هذا تأكيدا للتحريم ؛ لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه ، وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك وفي رواية مسلم : وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله .
الحديث ، قوله : يسعى بها يعني أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع ، فإذا آمن أحد من المسلمين كافرا ، وأعطاه ذمته لم يكن لأحد نقضه ، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة ، والحر والعبد ؛ لأن المسلمين كنفس واحدة ، والله أعلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه رد على الشيعة فيما يدعونه من أن عليا - رضي الله تعالى عنه - عنده وصية من سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين ، وفيه جواز كتابة العلم ، وفيه المحدث والمروي له في الإثم سواء ، وفيه حجة لمن أجاز أمان المرأة والعبد وهو مذهب مالك والشافعي ، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا إذا أذن المولى لعبده بالقتال . وفيه أن نقض العهد حرام ، وفيه ذم انتماء الإنسان إلى غير أبيه ، أو انتماء العتيق إلى غير معتقه ؛ لما فيه من كفر النعمة ، وتضييع الحقوق ، والولاء ، والعقل وغير ذلك مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق .
قال أبو عبد الله : عدل فداء . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وأشار بهذا إلى أن تفسير العدل عنده بمعنى الفداء ، وهذا موافق لتفسير الأصمعي ، وقد ذكرناه عن قريب ، وهذا أعني قوله : قال عبد الله إلى آخره وقع في رواية المستملي .