حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس

( باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس ) .

443 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد قال : سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول : سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت بقرية تأكل القرى يقولون : يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تقدموا ، وأبو الحباب بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة الأولى ، ويسار ضد اليمين ، وقال بعضهم : رجال الإسناد كلهم مدنيون . ( قلت ) : ليس كذلك ؛ فإن عبد الله بن يوسف تنيسي ، وأصله من دمشق ، وقال أبو عمر : اتفق الرواة عن مالك على إسناده إلا إسحاق بن عيسى الطباع فقال : عن مالك ، عن يحيى ، عن سعيد بن المسيب بدل سعيد بن يسار وهو خطأ . ( قلت ) : لم ينفرد الطباع بهذا ؛ لأن الدارقطني ذكر في كتاب غرائب مالك ، كما رواه الطباع من حديث أحمد بن بكر بن خالد السلمي عن مالك .

والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضا ، عن قتيبة ، عن مالك ، وعن عمرو الناقد ، وابن أبي عمرو ، عن أبي موسى محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه وفي التفسير عن قتيبة به . ( ذكر معناه ) قوله : " أمرت بقرية " : أي أمرت بالهجرة إليها ، والنزول بها ، فإن كان قال ذلك بمكة فهو بالهجرة إليها ، وإن كان قاله بالمدينة فبسكناها قوله : " تأكل القرى " : أي يغلب أهلها أهل سائر البلاد ، وهو كناية عن الغلبة ؛ لأن الآكل غالب على المأكول ، وقال النووي : معنى الأكل أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر ، فمنها فتحت البلاد فغنمت أموالها ، أو أن أكلها يكون من القرى المفتتحة ، وإليها تساق غنائمها ، ووقع في موطأ ابن وهب قلت لمالك : ما تأكل القرى ؟ قال : تفتح القرى ، وقيل : يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها ، فمعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى يكاد تكون عدما ، وقد سميت مكة أم القرى قيل : المذكور للمدينة أبلغ منه ، انتهى . ( قلت ) : الذي يظهر من كلامه أنه ممن يرجح المدينة ج١٠ / ص٢٣٥على مكة قوله : " يقولون يثرب " أراد أن بعض المنافقين يقولون للمدينة يثرب ، يعني يسمونها بهذا الاسم واسمها الذي يليق بها المدينة ، وقد كره بعضهم من هذا تسمية المدينة يثرب ، وقالوا : ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين ، وروى أحمد من حديث البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنه - رفعه : " من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى هي طابة " .

وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقال للمدينة يثرب " ، ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية : من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة ، قالوا : وسبب هذه الكراهة لأن يثرب من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة ، أو من الثرب وهو الفساد ، وكلاهما مستقبح ، وكان – صلى الله عليه وسلم - يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح . قوله : " تنفي الناس " قال أبو عمر : أي تنفي شرار الناس ، ألا يرى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكير في الحديد ، والكير إنما ينفي رديء الحديد وخبثه ، ولا ينفي جيده قال : وهذا عندي والله أعلم إنما كان في حياته - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة رغبة عن جواره فيها إلا من لا خير فيه ، وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار والفضلاء والأبرار . وقال عياض : وكان هذا يختص بزمنه ؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه ، وقال النووي : وليس هذا بظاهر ؛ لأن عند مسلم : " لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد " ، وهذا والله أعلم زمن الدجال ، قوله : " كما ينفي الكير " بكسر الكاف وسكون الياء آخر الحروف ، وفي التلويح الكير : هو دار الحديد والصائغ ، وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرا ، كذا قال أهل اللغة ، ومنه حديث أبي أمامة ، وأبي ريحانة عن النبي - صلى الله عليه وسلم – " الحمى كير من جهنم ، وهو نصيب المؤمن من النار " ، وقيل : في الكير لغة أخرى كور بضم الكاف ، والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه ، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ ، وقال ابن التين : وقيل الكير هو الزق والحانوت هو الكور .

وفي المحكم : الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد ، ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناده إلى أبي مردود قال : رأى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كير حداد في السوق فضربه برجله حتى هدمه ، وفي المحكم : والجمع أكيار وكيرة ، وعن ثعلب كيران ، وليس ذلك بمعروف في كتب اللغة ، إنما الكيران جمع كور وهو المرجل ، وفي الصحاح المنجل ، وعن أبي عمرو كير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو إحافات ، قوله : " خبث الحديد " بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة وفي آخره ثاء مثلثة وهو وسخ الحديد الذي تخرجه النار ، وقال الكرماني : ويروى بضم الخاء وسكون الباء ، وفيه نظر ، والمراد أنها لا ينزل فيها من في قلبه دغل بل يميزه عن القلوب الصادقة ، ويخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده ، ونسب التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في إشعال النار التي يقع بها التمييز . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال المهلب بن أبي صفرة : هذا الحديث حجة لمن فضل المدينة على مكة ؛ لأنها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإسلام فصارت القرى ومكة في صحائف أهل المدينة ، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة ، وروي عن أحمد خلافا لأبي حنيفة والشافعي ،

وقال ابن حزم : روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جابر ، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعبيد الله بن عدي ، منهم ثلاثة مدنيون بأسانيد في غاية الصحة ، قال : وهو قول جميع الصحابة وجمهور العلماء ، واحتج مقلدو مالك بأخبار ثابتة ، منها قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام " ، قال : ولا حجة لهم فيه ، إنما فيه أنه حرمها كما حرمها إبراهيم ، وبقوله : " اللهم بارك لنا في تمرنا ومدنا " ، وبقوله : " اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة " قال : ولا حجة لهم فيهما إنما فيهما الدعاء للمدينة ، وليس من باب الفضل في شيء ، وبقوله : " المدينة كالكير " ، ولا حجة لهم ؛ لأن هذا إنما هو في وقت دون وقت ، وفي قوم دون قوم ، وفي خاص دون عام ، انتهى .
واحتج بعضهم على تفضيل المدينة على مكة بقوله : " كما ينفي الكير خبث الحديد " ، ولا حجة في ذلك ؛ لأن هذا في خاص من الناس ، ومن الزمان بدليل قوله تعالى : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ والمنافق خبيث بلا شك ، وقد خرج من المدينة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ ، وأبو عبيدة ، وابن مسعود ، وطائفة ، ثم علي ، وطلحة ، والزبير ، وعمار ، وآخرون وهم من أطيب الخلق ، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ، ووقت دون وقت .

ورد في أحاديث16 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث