حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من رغب عن المدينة

ج١٠ / ص٢٣٧( باب من رغب عن المدينة )

446 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العواف ، يريد عوافي السباع والطير ، وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما . مطابقته للترجمة في قوله : " تتركون المدينة " فإن تركهم رغبة عنها .

ورجاله قد ذكروا غير مرة وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن حمزة الحمصي ، والزهري محمد بن مسلم . والحديث أخرجه مسلم من طريق يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " للمدينة ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعواف " ، يعني السباع ، والطير ، ومن رواية عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب أنه قال : أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " تتركون المدينة " إلى آخره نحو رواية البخاري غير أنها في روايته " ثم يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمها " ، قوله : " تتركون " بتاء المخاطب في رواية الأكثرين ، والمراد بذلك غير المخاطبين لكنهم من أهل البلد ، ومن نسل المخاطبين ، وقيل نوع المخاطبين من أهل المدينة ، ويروى يتركون بياء الغيبة ، ورجحه القرطبي . قوله : " على خير ما كانت " : أي على أحسن حالة كانت عليه من قبل ، يعني أعمرها وأكثرها ثمارا ، قوله : " لا يغشاها " : أي لا يقربها ولا يأتيها إلا العواف جمع عافية ، وهي طلاب الرزق من الدواب والطير ، وقال ابن سيده : العافية والعفاة والعفاء الأضياف وطلاب المعروف ، وقيل : هم الذين يعفونك : أي يأتونك يطلبون ما عندك ، والعافي أيضا الرائد والوارد ؛ لأن ذلك كله طلب .

قوله : " يريد عوافي الطير والسباع " تفسير لقوله : العواف ، وقال ابن الجوزي : اجتمع في العوافي شيئان : أحدهما أنها طالبة لأقواتها من قولك : عفوت فلانا أعفوه ، فأنا عاف ، والجمع عفاة : أي أتيت أطلب معروفه ، والثاني : من العفاء وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به ، فإن الطير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه ، وقال عياض : وقد وجد ذلك حيث صارت : أي المدينة معدن الخلافة ، ومقصد الناس ، وملجأهم ، وحملت إليها خيرات الأرض ، وصارت من أعمر البلاد ، فلما انتقلت الخلافة منها إلى الشام ، ثم إلى العراق ، وتغلبت عليها الأعراب ، وتعاورتها الفتن ، وخلت من أهلها فقصدتها عوافي الطير والسباع ، وذكر الإخباريون أنها خلت من أهلها في بعض الفتن التي جرت بالمدينة ، وبقيت ثمارها للعوافي كما قال - صلى الله عليه وسلم - : وخلت مدة ، ثم تراجع الناس إليها ، وفي حال خلوها عدت الكلاب على سواري المسجد ، وعن مالك حتى يدخل الكلب أو الذئب فيعوي على بعض سواري المسجد ، وقال عياض : هذا مما جرى في العصر الأول وانقضى ، وهذا من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - وقال النووي : المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ، ويوضحه قصة الراعيين فقد وقع عند مسلم بلفظ : " ثم يحشر راعيان " ، وفي البخاري أنهما آخر من يحشر ، ويؤيد هذا ما رواه أحمد والحاكم وغيرهما من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال : " بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجة ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة ، فأخذ بيدي حتى أتينا أحدا ، ثم أقبل على المدينة فقال : ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما يكون ، قلت : يا رسول الله ، من يأكل ثمرها ؟ قال : عافية الطير والسباع " .

وروى عمر بن شبة بإسناد صحيح : " عن عوف بن مالك قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد ، ثم نظر إلينا ، فقال : أما والله لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي أتدرون ما العوافي ؟ الطير والسباع "
، انتهى ، وهذا لم يقع قطعا قال المهلب في هذا الحديث أن المدينة تسكن إلى يوم القيامة ، وإن خلت في بعض الأوقات يقصد الراعيان بغنمهما إلى المدينة ، قوله : " وآخر من يحشر راعيان " : أي يساق ويجلى من الوطن ، قوله : " من مزينة " بضم الميم وفتح الزاي قبيلة من مضر ، وفي التلويح : ( فإن قيل ) : فما معنى قوله : " آخر من يحشر راعيان " ، ولم يذكر حشرهما ، وإنما قال : " يخران ج١٠ / ص٢٣٨على وجوههما أمواتا " ، فالجواب أنه لا يحشر أحد إلا بعد الموت ، فهما آخر من يموت بالمدينة ، وآخر من يحشر بعد ذلك ، وفي أخبار المدينة لأبي زيد بن عمر بن شبة ، عن أبي هريرة قال : " آخر من يحشر رجلان : رجل من مزينة ، وآخر من جهينة ، فيقولان : أين الناس ؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب ، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس " ، قوله : " ينعقان بغنمهما " من النعق وهو دعاء الراعي الشاء ، قاله الأزهري عن الفراء وغيره يقال : أنعق بضأنك : أي ادعها وقد نعق الراعي بها نعيقا ، وفي الموعب نعيقا ونعاقا إذا صاح بها الراعي زجرا ونعقا ونعقانا ، وقد نعق ينعق من باب علم يعلم ، وأغرب الداودي فقال : معناه يطلب الكلأ ، فكأنه فسره بالمقصود من الزجر ؛ لأنه يزجرها عن المرعى الوبيل إلى المرعى الوسيم ، قوله : " فيجدانها وحوشا " : أي يجدان أهلها وحوشا جمع وحش ، أو يجدان المدينة ذات وحوش ، ويروى وحوشا بفتح الواو : أي يجدانها خالية ليس بها أحد ، وقال الجربي : الوحش من الأرض هو الخلاء ، وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان ، وقد يعبر بواحد عن جمعه ، وعن ابن المرابط معناه أن غنمها تصير وحوشا إما أن تنقلب ذاتها ، فتصير وحوشا ، وإما أنها تنفر وتتوحش من أصواتهما ، وأنكر عياض هذا ، واختار أن يعود الضمير إلى المدينة ، وفي رواية مسلم : فيجدانها وحشا : أي خالية ليس بها أحد ، قوله : " ثنية الوداع " هي عقبة عند حرم المدينة ، سميت بذلك ؛ لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها ، قوله : " خرا " بتشديد الراء : أي سقطا ميتين أو سقطا بمن أسقطهما وهو الملك .

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث