باب من رغب عن المدينة
حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن سفيان بن أبي زهير - رضي الله عنه - أنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول تفتح اليمن ، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ، ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشأم ، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، ويفتح العراق فيأتي قوم يبسون ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . مطابقته للترجمة من حيث إن هؤلاء القوم المذكورين تفرقوا في البلاد بعد الفتوحات ، ورغبوا عن الإقامة في المدينة ، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيرا لهم ، والترجمة فيمن رغب عن المدينة ، وهؤلاء رغبوا عنها واختاروا غيرها . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : عبد الله بن يوسف التنيسي ، ومالك بن أنس ، وهشام بن عروة ، وأبوه عروة بن الزبير بن العوام ، وعبد الله بن الزبير أخو عروة بن الزبير ، وسفيان بن أبي زهير بضم الزاي مصغر الزهر النمري بالنون الأزدي ، ويلقب بابن أبي القرد بفتح القاف ، وبعدها دال مهملة قاله الكرماني ، وقيل : القرد هو اسم أبي زهير، وقيل : اسمه نمير ، وكان نازلا بالمدينة وهو الشنوئي من أزد شنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة ، وفي النسب كذلك ، وقيل : بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو ، وشنوءة هو عبد الله بن كعب بن مالك بن نضر بن الأزد ، وسمي شنوءة لشنئان كان بينه وبين قومه .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه الإخبار كذلك في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه السماع والقول في موضعين ، وفيه رواية تابعي عن تابعي ؛ لأن هشاما لقي بعض الصحابة ، وفيه رواية صحابي عن صحابي ، وفيه في رواية الأكثرين عن سفيان بن أبي زهير ، ورواه حماد بن سلمة ، عن هشام ، عن أبيه كذلك ، وقال في آخره قال عروة : ثم لقيت سفيان بن أبي زهير عند موته ، فأخبرني بهذا الحديث ، وفيه أن رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري ، والله أعلم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الحج أيضا ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن رافع ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن آدم ، وعن هارون بن عبد الله . ( ذكر معناه ) قوله : تفتح اليمن قال ابن عبد البر وغيره : افتتحت اليمن في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أيام أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - ، وافتتحت الشام بعدها ، والعراق بعدها ، انتهى .
( قلت ) : يمن اسم يعرب بن قحطان بن عابر وهو هود ، فلذلك يقال : أرض يمن ، ذكره في كتاب التيجان ، وذكر البكري : إنما سمي اليمن يمنا لأنه عن يمين الكعبة ، كما سمي الشام شاما ؛ لأنه عن شمال الكعبة ، وقيل : إنما سمي بذلك قبل أن تعرف الكعبة ؛ لأنه عن يمين الشمس ، وقيل : سميت اليمن يمنا بيمن بن قحطان ، وحكى الهمداني قال : لما طغت العرب العاربة أقبلت بنو يقطن بن عابر فتيامنوا ، فقالت العرب : تيامنت بنو يقطن فسموا اليمن ، وتشأم الآخرون فسموا شاما . قوله : يبسون بفتح الياء آخر الحروف وضم الباء الموحدة وتشديد السين المهملة من بس يبس بسا ، والبس سوق الإبل تقول : بس يبس عند السوق ، وإرادة السرعة ، وقال ابن عبد البر في رواية يحيى بن يحيى : يبسون بكسر الباء الموحدة ، وقيل : إن ابن القاسم رواه بضمها . ( قلت ) : حاصله أنه من باب نصر ينصر ، ومن باب ضرب يضرب ، وفي التلويح : أشار إلى أنه روي بضم الياء آخر الحروف وكسر الباء الموحدة ، فعلى هذا يكون من الثلاثي المزيد فيه من أبس يبس على وزن أفعل ، قال الحربي : ومعناه يتحملون بأهليهم ، وقيل : معناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب ، وقال الداودي : معناه يزجرون دوابهم فيفتتون ما يطؤونه من الأرض من شدة السير ، فيصير غبارا من قوله تعالى : ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴾أي سالت سيلا ، وقيل : معناه سارت سيرا ، وقال ابن القاسم : البس المبالغة في الفت ، ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن : بسيس ، وأنكر ذلك النووي ، وقال : إنه ضعيف أو باطل ، وقال ابن عبد البر : وقيل معنى يبسون يسألون عن البلاد ، وتستقر لأهلهم البلاد التي تفتح ، ويدعونهم إلى سكناها ، فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها ، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم : يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه إلى المجيء إليها لذلك ، فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه .
وقال النووي : الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله بأسا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة ، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث : تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة يبسون ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . وروى أحمد في مسنده من حديث جابر سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس فيها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ، ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لو كانوا يعلمون ، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة ، وفيه مقال ، ولكن أحمد قبله ، ورضي به ، ولا بأس به في المتابعات . قوله : لو كانوا يعلمون : أي بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي ، وثواب الإقامة فيها ؛ لأنها حرم الرسول ، ومهبط الوحي ، ومنزل البركات .
( فإن قلت ) : أين جواب لو ؟ قلت : محذوف ، دل عليه ما قبله : أي لو كانوا من أهل العلم لعرفوا ذلك ، ولما فارقوا المدينة ، وإن كانت لو بمعنى ليت فلا جواب لها ، وعلى التقديرين ففيه تجهيل لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرا عظيما ، وفيه معجزات للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم ، وأن الناس يتحملون بأهاليهم ، ويفارقون المدينة ، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب المذكور في الحديث ، ووجد جميع ذلك ، قوله : ومن أطاعهم : أي ويتحملون بمن أطاع أهليهم من الناس . قوله : والمدينة خير لهم الواو فيه للحال ، وقال الطيبي : نكر قوما ؛ لتحقيرهم وتوهين أمرهم ، ثم وصفهم بقوله : يبسون إشعارا بركاكة عقولهم ، وأنهم ممن ركنوا إلى الحظوظ البهيمية ، وحطام الدنيا الفانية العاجلة ، وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومهبط الوحي ، ولذلك كرر قوما ، ووصفه في كل قرينة بقوله : يبسون استحضارا لتلك الهيئة البهيمية ، وقال الطيبي أيضا : الذي يقتضي هذا المقام أن ينزل يعلمون منزلة اللازم ؛ لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية ، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التمني لكان أبلغ ؛ لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله : أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا انتهى . وقالوا : المراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها ، وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك ، فليس بداخل في معنى الحديث .