حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الريان للصائمين

( حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثني معن قال : حدثني مالك عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة ، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ، فقال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم ) . مطابقته للترجمة من قوله : ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ، وإبراهيم بن المنذر قد تكرر ذكره ، ومعن بفتح الميم وسكون العين المهملة وفي آخره نون ابن عيسى بن يحيى ، أبو يحيى القزاز المدني ، مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة ، وابن شهاب محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وحميد بضم الحاء ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في فضائل أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - عن أبي اليمان عن شعيب ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي الطاهر وحرملة ، وعن عمرو الناقد ، وحسن الحلواني ، وعبد بن حميد ، ثلاثتهم عن يعقوب ، وعن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، وأخرجه الترمذي في المناقب ، عن إسحاق بن موسى الأنصاري ، عن معن ، عن مالك ، إلى آخره نحوه ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .

وأخرجه النسائي فيه ، وفي الزكاة عن عمرو بن عثمان ، وفي الصوم عن أبي الطاهر بن السرح ، والحارث بن مسكين كلاهما عن وهب ، عن مالك ، ويونس به ، وعن الحارث ومحمد بن سلمة كلاهما عن ابن القاسم ، عن مالك به ، وفي الجهاد عن عبيد الله بن سعد ، عن عمه يعقوب . ( ذكر معناه ) قوله : عن حميد بن عبد الرحمن ، وفي رواية شعيب عن الزهري في فضل أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، قوله : عن أبي هريرة قال أبو عمر : اتفقت الرواة عن مالك على وصله إلا يحيى ابن أبي بكير وعبد الله بن يوسف ، فإنهما أرسلاه ، ولم يقع عند القعنبي أصلا لا مسندا ولا مرسلا ، وفي ( التلويح ) ذكر الدارقطني في ( كتاب الموطآت ) أن القعنبي رواه كما روى ابن مصعب ومعن مسندا ، قوله : زوجين يعني دينارين أو درهمين أو ثوبين ، وقيل : دينار وثوب ، أو درهم ودينار ، أو ثوب مع غيره ، أو صلاة وصوم ، فيشفع الصدقة بأخرى ، أو فعل خير بغيره ، وفي رواية إسماعيل القاضي عن أبي مصعب عن مالك : من أنفق زوجين من ماله ، قوله : في سبيل الله قيل : هو الجهاد ، وقيل : ما هو أعم منه ، وقيل : المراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف كان من أصناف المال ، وقال الداودي : والزوج هنا الفرد ، يقال للواحد زوج ، وللاثنين زوج ، قال تعالى : ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى وصوابه أن الاثنين زوجان ، يدل عليه الآية ، وروى حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد ، وحميد عن الحسن عن صعصعة بن معاوية عن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أنفق زوجين ابتدرته حجبة الجنة ثم قال : بعيرين ، شاتين ، حمارين ، درهمين ، قال حماد : أحسبه قال : خفين ، وفي رواية النسائي : فرسين من خيله بعيران من إبله ، وروى عن صعصعة قال : رأيت أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيرا له عليه مزادتان قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من مسلم ينفق زوجين من ماله في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده قلت : زوجين ماذا ؟ قال : إن كان صاحب خيل ففرسين ، وإن كان صاحب إبل فبعيرين ، وإن كان صاحب بقر فبقرتين ، حتى عد أصناف المال ، وشبيه حديث الحماني ذكره أبو موسى المديني عن مبارك بن سعيد عن ابن المحيريز يرفعه : من عال ابنتين أو أختين أو خالتين أو عمتين أو جدتين فهو معي في الجنة . ( فإن قلت ) النفقة إنما تشرع في الجهاد والصدقة ، فكيف تكون في باب الصلاة والصيام ؟ ( قلت ) لأن نفقة المال مقترنة بنفقة الجسم في ذلك ؛ لأنه لابد للمصلي والصائم من قوت يقيم رمقه وثوب يستره ، وذلك من فروض الصلاة ، ويستعين بذلك على الطاعة ، فقد صار بذلك منفقا لزوجين لنفسه ولماله ، وقد تكون النفقة في باب الصلاة أن يبني لله مسجدا للمصلين ، والنفقة في الصيام أن يفطر صائما ، وذلك بدلالة قوله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : من فطر صائما فكأنما صام يوما .

( فإن قلت ) إذا جاز استعمال الجسم في الطاعة نفقة فيجوز أن يدخل في معنى الحديث من أنفق نفسه في سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله ( قلت ) نعم ، بل هو أعظم أجرا من الأول ، يوضحه ما رواه سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رجل يا رسول الله أي الجهاد أفضل ؟ قال : أن يعقر جوادك ويهراق دمك ، ( فإن قلت ) يدخل في ذلك صائم رمضان المزكي لماله والمؤدي الفرائض ( قلت ) المراد النوافل لأن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين ، ومن ترك شيئا من الواجبات إنما يخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنم . قوله : نودي من أبواب الجنة المراد من هذه الأبواب غير الأبواب الثمانية ، وقال أبو عمر في التمهيد : كذا قال من أبواب الجنة ، وذكره أبو داود وأبو عبد الرحمن وابن سنجر فتحت له أبواب الجنة الثمانية وليس فيها ذكر من . وقال ابن بطال : لا يصح دخول المؤمن إلا من باب واحد ، ونداؤه منها كلها إنما هو على سبيل الإكرام والتخيير له في دخوله من أيها شاء ، قوله : هذا خير لفظة خير ليس من أفعل التفضيل ، بل معناه هو خير من الخيرات ، والتنوين فيه للتعظيم ، وفائدة هذا الإخبار بيان تعظيمه .

قوله : دعي من باب الصلاة أي المكثرين لصلاة التطوع ، وكذا غيرها من أعمال البر ، وقد ذكرنا الآن أن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين ، قوله : من باب الصدقة أي من الغالب عليه ذلك ، وإلا فكل المؤمنين أهل للكل ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) ما وجه التكرار حيث ذكر الإنفاق في صدر الكلام والصدقة في عجزه ( قلت ) لا تكرار ، إذ الأول هو النداء بأن الإنفاق وإن كان بالقليل من جملة الخيرات العظيمة وذلك حاصل من كل أبواب الجنة ، والثاني : استدعاء الدخول إلى الجنة ، وإنما هو من الباب الخاص به ، ففي الحديث فضيلة عظيمة للإنفاق ، ولهذا افتتح به واختتم به ، قوله : بأبي أنت وأمي أي أنت مفدى بأبي وأمي فتكون الباء متعلقة به ، وقيل : تقديره فديتك بأبي وأمي ، قوله : من ضرورة أي من ضرر أي ليس على المدعو من كل الأبواب مضرة أي قد سعد من دعي من أبوابها جميعا ، ويقال : معناه ما على من دعي من تلك الأبواب من لم يكن إلا من أهل خصلة واحدة ، ودعي من بابها لا ضرر عليه ، لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة من أيها أراد ؛ لاستحالة الدخول من الكل معا ، وقال الكرماني : أقول : يحتمل أن تكون الجنة كالقلعة لها أسوار محيط بعضها ببعض ، وعلى كل سور باب فمنهم من يدعى من الباب الأول فقط ، ومنهم من يتجاوز عنه إلى الباب الداخل وهلم جرا ( قلت ) هذا الذي ذكره لا يستبعده العقل ولكن معرفة كيفية الجنة وكيفية أبوابها وغير ذلك موقوفة على السماع من الشارع ، قوله : وأرجو أن تكون منهم خطاب لأبي بكر - رضي الله عنه - والرجاء من النبي - صلى الله عليه وسلم - واجب نبه عليه ابن التين ، فدل هذا على فضيلة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وعلى أنه من أهل هذه الأعمال كلها . وفيه : أن أعمال البر لا تفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها ، وأن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب ، وأنه قد يفتح في جميعها للقليل من الناس ، وإن الصديق - رضي الله تعالى عنه - منهم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث