باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعا
( باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ، ومن رأى كله واسعا ) أي هذا باب يقال فيه : هل يقال ، أي هل يجوز أن يقال : رمضان ، من غير شهر معه ، أو يقال شهر رمضان ، قوله : " هل يقال " على صيغة المجهول ، رواية الأكثرين ، وفي رواية السرخسي والمستملي : باب هل يقول أي الإنسان أو القائل ، قوله : " ومن رأى كله واسعا " من جملة الترجمة ، أي من رأى القول بمجرد رمضان أو بقيده بشهر واسعا أي جائزا لا حرج على قائله ، وفي رواية الكشميهني : ومن رآه ، بهاء الضمير ، وإنما أطلق الترجمة ولم يفصح بالحكم للاختلاف فيه على عادته في ذلك ، فالذي اختاره المحققون والبخاري منهم لا يكره أن يقال : جاء رمضان ، ولا صمنا رمضان ،
وكان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقولا رمضان ، وإنما كانا يقولان كما قال الله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ ؛ لأنا لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، وحكاه البيهقي عن الحسن أيضا قال : والطريق إليه وإلى مجاهد ضعيفة، وهو قول أصحاب مالك ، وقال النحاس : وهذا قول ضعيف ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نطق به ، فذكر ما ذكره البخاري ، وفي ( التوضيح ) : وهناك قول ثالث ، وهو قول أكثر أصحابنا ، إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة ، وإلا فيكره . قالوا : ويقال : قمنا رمضان ، ورمضان أفضل الأشهر ، وإنما يكره أن يقال : قد جاء رمضان ، ودخل رمضان ، وحضر ، ونحو ذلك ( فإن قلت )
في ( كامل ) ابن عدي : عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقولوا رمضان ، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا شهر رمضان " ( قلت ) قال أبو حاتم : هذا خطأ ، وإنما هو قول أبي هريرة ، وفيه أبو معشر نجيح المدني ، وضعفه ابن عدي الذي خرجه ، وقال بعضهم : أشار البخاري بهذه الترجمة إلى دفع حديث ضعيف ، ثم ذكر هذا الذي خرجه ابن عدي ( قلت ) هذا القائل أخذ هذا الذي قاله من كلام صاحب ( التلويح ) فإنه قال : وإنما كان البخاري أراد بالتبويب دفع ما رواه أبو معشر نجيح في ( كامل ) ابن عدي ، وهو الذي ذكرناه ، وهل هذا إلا أمر عجيب من هذين المذكورين ، فإن لفظ الترجمة : هل يقال رمضان أو شهر رمضان من أين يدل على هذا ، فمن أي قبيل هذه الدلالة ، وأيضا من قال : إن البخاري اطلع على هذا الحديث أو وقف عليه حتى يرده بهذه الترجمة. قوله : " رمضان " قال الزمخشري : رمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء ، فأضيف إليه الشهر ، وجعل علما ، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون ، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته ، كما سموه ناتقا ؛ لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم إضجارا بشدته عليهم ، وقيل : لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ( قلت ) كانوا يقولون للمحرم المؤتمر ، ولصفر ناجر ، ولربيع الأول خوان ، ولربيع الآخر وبضان ، ولجمادى الأولى ربى ، ولجمادى الآخر حنين ، ولرجب الأصم ، ولشعبان عاذل ، ج١٠ / ص٢٦٦ولرمضان ناتق ، ولشوال وعل ، ولذي القعدة ورنة ، ولذي الحجة برك ، وفي ( الغريبين ) : هو مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش ، وفي ( المغيث ) : اشتقاقه من رمضت النصل أرمضه رمضا إذا جعلته بين حجرين ودققته ليرق ، سمي به لأنه شهر مشقة ليذكر صائموه ما يقاسي أهل النار فيها ، وقيل : من رمضت في المكان يعني احتبست ؛ لأن الصائم يحتبس عما نهى عنه .
وفعلان لا يكاد يوجد من باب فعل ، وهو في باب فعل بالفتح كثير ، وقال ابن خالويه : تقول العرب : جاء فلان يغدو رمضا ورمضا وترميضا ورمضانا إذا كان قلقا فزعا ، وفي ( المحكم ) جمعه رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمض عن بعض أهل اللغة ، وليس يثبت ، وفي ( الصحاح ) يجمع على أرمضاء ، وفي ( العلم ) المشهور لأبي الخطاب ويجمع أيضا على رماض ، وهو القياس ، وأراميض ورماض . قوله : " أو شهر رمضان " الشهر عدد ، وجمعه أشهر وشهور ، ذكره في ( الموعب ) وفي ( المحكم ) الشهر القمر سمي بذلك لشهرته وظهوره ، وسمي الشهر بذلك لأنه يشهر بالقمر ، وفيه علامة ابتدائه وانتهائه ، ويقال : شهر وشهر والتسكين أكثر . ( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - من صام رمضان ) .
( وقال : لا تقدموا رمضان ) 8 - ( حدثنا قتيبة قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ) .
مطابقته للترجمة من حيث إنه جاء في الحديث : إذا جاء رمضان ، من غير ذكر شهر ، وهذا الحديث يفسر الإبهام الذي في الترجمة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : قتيبة بن سعيد ، الثاني : إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير ، أبو إبراهيم الأنصاري ، مولى زريق المؤدب ، الثالث : أبو سهيل ، واسمه نافع بن مالك بن أبي عامر ، عمرو بن الحارث بن غيمان بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، الأصبحي ، عم أنس بن مالك ، والرابع : أبو مالك بن أبي عامر ، تابعي كبير ، أدرك عمر - رضي الله تعالى عنه - ، الخامس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه بلخي ، والبقية مدنيون .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصوم ، وفي صفة إبليس ، وفي موضع آخر عن يحيى بن بكير عن الليث ، وأخرجه مسلم في الصوم عن قتيبة ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر به ، وعن حرملة بن يحيى ، وعن محمد بن الحاتم وحسن الحلواني ، وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حجر به ، وعن الربيع بن سليمان وعن عبيد الله بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن سعد به ، وعن إبراهيم بن يعقوب ، وعن محمد بن خالد بن علي ، وعن عبد الله بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق . ( ذكر معناه ) قوله : " فتحت " روي بتشديد التاء وتخفيفها ، كذا أخرجه مختصرا ، وقد أخرجه مسلم بتمامه وقال : حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وابن حجر قالوا : حدثنا إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن أبي سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين " ثم المراد من فتح أبواب الجنة حقيقة الفتح ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بفتح أبواب الجنة كثرة الطاعات في شهر رمضان ، فإنها موصلة إلى الجنة ، فكني بها عن ذلك ، ويقال : المراد به ما فتح الله على العباد فيه من الأعمال المستوجبة بها إلى الجنة من الصيام والصلاة والتلاوة ، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان سهل ، والأعمال فيه أسرع إلى القبول .