باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب
( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا نكتب ولا نحسب ) 22 - ( حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا الأسود بن قيس قال : حدثنا سعيد بن عمرو أنه سمع ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا أو هكذا ، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين ) . مطابقته للترجمة من حيث إنها بعض الحديث ، والأسود بن قيس أبو قيس البجلي الكوفي التابعي مر في العيد في باب كلام الإمام ، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي مر في الوضوء ، وفيه رواية التابعي عن التابعي .
والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وابن المثنى ، وابن بشار ثلاثتهم عن غندر ، عن شعبة به ، وعن محمد بن حاتم ، عن ابن مهدي ، وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب ، عن شعبة به ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى ، وفيه وفي العلم عن ابن المثنى وابن بشار كلاهما عن غندر به ، وأخرجه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال : " ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده على الأخرى وقال : الشهر هكذا وهكذا ، ثم نقص في الثالثة إصبعا " وأخرجه عن جابر بن عبد الله أيضا قال : : " اعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - " الحديث ، وفيه : " إن الشهر يكون تسعا وعشرين " ، وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود " ما صمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين " ، وعن عائشة مثله عند الدارقطني وابن ماجه مثله من حديث أبي هريرة قوله : " إنا " أي العرب ، قال الطيبي : إنا كناية عن جيل العرب ، وقيل : أراد نفسه - عليه السلام - ، قوله : " أمة " أي جماعة قريش مثل قوله تعالى : أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وقال الجوهري : الأمة الجماعة ، وقال الأخفش : هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع ، وكل جنس من الحيوان أمة ، والأمة الطريقة والدين ، يقال : فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة له ، وكسر الهمزة فيه لغة ، وقال ابن الأثير : الأمة الرجل المفرد بدين ، لقوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ قوله : " أمية " نسبة إلى الأم ؛ لأن المرأة هذه صفتها غالبة ، وقيل : أراد أمة العرب ؛ لأنها لا تكتب ، وقيل : معناه باقون على ما ولدت عليها الأمهات ، وقال الداودي : أمة أمية لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها ، إنما أخذت عما جاءه الوحي من الله - عز وجل - ، وقيل : منسوبون إلى أم القرى ، وقال بعضهم : منسوب إلى الأمهات ، ( قلت ) : من له أدنى شمة من التصريف لا يتصرف هكذا ، قوله : " لا نكتب ولا نحسب " بيان لكونهم كذلك ، وقيل : العرب أميون لأن الكتابة فيهم كانت عزيزة نادرة ، قال الله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ ، ( فإن قلت ) : كان فيهم من يكتب ويحسب ( قلت ) : وإن كان ذلك كان نادرا ، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ، ولم يكونوا يعرفون من ذلك شيئا إلا النذر اليسير ، وعلق الشارع الصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عن أمته في معاناة حساب التسيير ، واستمر ذلك بينهم ، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك بل ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " ج١٠ / ص٢٨٧ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلا ، إذ لو كان الحكم يعلم من ذلك لقال : فاسألوا أهل الحساب ، وقد رجع قوم إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض ، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم ، قال القاضي : وإجماع السلف الصالح حجة عليهم ، وقال ابن بزيزة : هو مذهب باطل ، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم ؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق الأمر ، إذ لا يعرفها إلا القليل . قوله : " ولا نحسب " بضم السين ، قال ثعلب : حسبت الحساب أحسبه حسبا وحسبانا ، وفي ( شرح مكي ) : أحسبه أيضا بمعنى ، وفي ( المحكم ) : حسابة وحسبة وحسبانا ، وقال ابن بطال وغيره : أمم لم تكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة ، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم ، ثم تمم هذا المعنى بإشارته بيده ولم يتلفظ بعبارته عنه ، نزولا ما يفهمه الخرس والعجم ، وحصل من إشارته بيديه أن الشهر يكون ثلاثين ، ومن خنس إبهامه في الثالثة أنه يكون تسعا وعشرين ، وعلى هذا : إن من نذر أن يصوم شهرا غير معين فله أن يصوم تسعا وعشرين ؛ لأن ذلك يقال له شهر كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان ؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم ، وكذا من نذر صوما فصام يوما أجزأه ، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك ، فإنه قال : لا يجزيه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يوما ، فإن صامه بالهلال فعلى الرؤية . وفيه أن يوم الشك من شعبان ، قال ابن بطال : وهذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل ، وإنما المعول على رؤية الأهلة ، وإنما لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عيانا أو كالعيان ، وأما ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون ويكشف الهيآت الغائبة عن الأبصار ، فقد نهينا عنه وعن تكلفه ؛ لأن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث إلى الأميين ، وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء ، كمن قال امرأته طالق وأشار بأصابعه الثلاث ، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات ، والله أعلم .