حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود

( باب قول الله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ

( فيه البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) .

26 - ( حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا هشيم قال : أخبرني حصين بن عبد الرحمن ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال : لما نزلت : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض ، فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر في الليل ، فلا يستبين لي ، فغدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك ، فقال : إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) . ج١٠ / ص٢٩٣مطابقته للترجمة ظاهرة جدا .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : حجاج على وزن فعال ، بالتشديد ، ابن منهال ، بكسر الميم وسكون النون ، السلمي ، مولاهم الأنماطي ، الثاني : هشيم بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ، السلمي ، مولاهم أبو معاوية ، الثالث : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي ، يكنى أبا الهذيل ، الرابع : عامر بن شراحيل الشعبي ، الخامس : عدي بن حاتم الصحابي - رضي الله تعالى عنه - ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه بصري ، وأن هشيما واسطي وأصله من بلخ ، وأن حصينا والشعبي كوفيان ، وأن فيه أخبرني حصين ، ويروى أخبرنا ، وزاد الطحاوي من طريق إسماعيل بن سالم عن هشيم أخبرنا حصين ، ومجالد عن الشعبي ، فالطحاوي أخرج هذا الحديث من طريقين ، أحدهما : عن محمد بن خزيمة قال : حدثنا حجاج بن منهال ، إلى آخره ، نحو رواية البخاري ، والآخر عن أحمد بن داود ، عن إسماعيل بن سالم ، عن هشيم ، عن حصين ومجالد عن الشعبي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة ، وأخرجه مسلم في الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن إدريس ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسدد ، عن حصين بن نمير ، وعن عثمان بن أبي شيبة ،

وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع ، عن هشيم ، وقال : حسن صحيح
. ( ذكر معناه ) قوله : " عن عدي بن حاتم " في رواية الترمذي " أخبرني عدي بن حاتم " وكذا أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن منيع ، وكذا أورده أبو عوانة من طريق أبي عبيد عن هشيم عن حصين ، قوله : " عمدت " أي قصدت ، من عمد يعمد عمدا إذا قصد ، وهو من باب ضرب يضرب ، وأما عمدت الشيء فانعمد ، فمعناه أقمته ، فالأول باللام وإلى والثاني بدونهما ، قوله : " إلى عقال " بكسر العين المهملة وبالقاف ، وهو الحبل الذي يعقل به البعير ، والجمع عقل ، وفي رواية مجالد " فأخذت خيطين من شعر " قوله : " فلا يستبين لي " أي فلا يظهر لي ، وفي رواية مجالد " فلا أستبين الأبيض من الأسود " ، قوله : " وسادتي " الوساد والوسادة المخدة ، والجمع وسائد ووسد ، قوله : " إنما ذلك " إشارة إلى ما ذكر من قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ورواية البخاري في التفسير قال : " أخذ عدي عقالا أبيض وعقالا أسود ، حتى إذا كان بعض الليل نظر فلم يستبينا ، فلما أصبح قال : يا رسول الله ، جعلت تحت وسادتي ، قال : إن وسادتك إذا لعريض " ، وفي رواية " قلت : يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهما الخيطان ، قال : إنك لعريض القفا ، إن أبصرت الخيطين ، ثم قال : لا بل هو سواد الليل وبياض النهار " ، وفي رواية مسلم : " قال : يا رسول الله إنني جعلت تحت وسادتي عقالين ، عقالا أبيض وعقالا أسود ، أعرف الليل من النهار ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن وسادك لعريض ، إنما هو سواد الليل وبياض النهار " ، وفي رواية أبي داود : " قال : أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود ، فوضعتهما تحت وسادتي ، فنظرت فلم أتبين ، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك وقال : إن وسادك إذا لعريض طويل ، إنما هو الليل والنهار " ، وفي لفظ " إنما هما سواد الليل وبياض النهار " ، وفي رواية أبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان عن مطرف " فضحك وقال : لا يا عريض القفا " انتهى .

قوله : " إن وسادك لعريض " كنى بالوساد عن النوم ؛ لأن النائم يتوسد أي إن نومك لطويل كثير ، وقيل : كنى بالوساد عن موضع الوساد من رأسه وعنقه ، وتشهد له الرواية التي فيها : " إنك لعريض القفا " ، فإن عرض القفا كناية عن السمن ، وقيل : أراد من أكل مع الصبح في صومه أصبح عريض القفا ؛ لأن الصوم لا يؤثر فيه ، ويقال : يكنى عن الأبله بعريض القفا ، فإن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرطا قيل : إنه دليل الغباوة والحماقة ، كما أن استواءه دليل على علو الهمة وحسن الفهم ، وهذا من قبيل الكناية الخفية ، والفرق بين الكناية والمجاز أن الانتقال في الكناية من اللازم إلى الملزوم ، وفي المجاز من الملزوم إلى اللازم ، وهكذا فرق السكاكي وغيره ، وقال الزمخشري : إنما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - قفا عدي لأنه غفل عن البيان ، وتعريض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة ، قيل : أنكر ذلك غير واحد منهم القرطبي فقال : حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم ، وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفا وعدم الفقه ، وعضدوا ذلك بقوله : " إنك لعريض القفا " ج١٠ / ص٢٩٤وليس الأمر على ما قالوه ؛ لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إذا لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذما ولا ينسب إلى جهل ، وإنما عنى - والله أعلم - إن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو إذا عريض واسع ، ولهذه قال في إثر ذلك : إنما هو سواد الليل وبياض النهار ، فكأنه قال : فكيف يدخلان تحت وسادتك ، وقوله : " إنك لعريض القفا " أي إن الوساد الذي يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة . ( ذكر الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل إن قوله ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ) إلى آخره ، يقتضي ظاهره أن عدي بن حاتم كان حاضرا لما نزلت هذه الآية ، وهو يقتضي تقدم إسلامه ، وليس الأمر كذلك لأن نزول فرض الصوم كان متقدما في أوائل الهجرة ، وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ( قلت ) أجابوا بأربعة أجوبة ، الأول : إن الآية التي في حديث الباب تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم ، وهذا بعيد جدا ، الثاني : أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله " لما نزلت " أي لما تليت علي عند إسلامي ، الثالث : أن المعنى لما بلغني نزول الآية عمدت إلى عقالين ، الرابع : يقدر فيه حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت وأسلمت وتعلمت الشرائع عمدت ، وهذا أحسن الوجوه ، ويؤيده ما رواه أحمد من طريق مجالد بلفظ " علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة والصيام ، فقال : صل كذا ، وصم كذا ، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، قال : فأخذت خيطين " الحديث . ومنها : ما قيل إن قوله مِنَ الْفَجْرِ نزل بعد قوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ وكان هذا بيانا لهم أن المراد به أن يتميز بياض النهار من سواد الليل ، فكيف يجوز تأخير البيان مع الحاجة إليه مع بقاء التكليف ؟ أجيب بأن البيان كان موجودا فيه ، لكن على وجه لا يدركه جميع الناس ، وإنما كان على وجه يختص به أكثرهم أو بعضهم ، وليس يلزم أن يكون البيان مكشوفا في درجة يطلع عليها كل أحد ، ألا ترى أنه لم يقع فيه إلا عدي وحده ، ويقال : كان استعمال الخيطين في الليل والنهار شائعا غير محتاج إلى البيان ، وكان ذلك اسما لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام ، قال أبو داود الإيادي :

ولما أضاءت لنا ظلمة ولاح لنا الصبح خيط أنارا
فاشتبه على بعضهم ، فحملوه على العقالين ، وقال النووي : فعل ذلك من لم يكن ملازما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل هو من الأعراب ومن لا فقه عنده أو لم يكن من لغته استعمالها في الليل والنهار .

ومنها : ما قيل إن قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ من باب الاستعارة أم من باب التشبيه ؟ أجيب بأن قوله : مِنَ الْفَجْرِ أخرجه من باب الاستعارة ، وقد نقلنا هذا عن الزمخشري في أوائل الباب . ومنها : ما قيل إن الاستعارة أبلغ ، فلم عدل إلى التشبيه ؟ أجيب بأن التشبيه الكامل أولى من الاستعارة الناقصة ، وهي ناقصة لفوات شرط حسنها ، وهو أن يكون التشبيه بين المستعار له والمستعار منه جليا بنفسه معروفا بين سائر الأقوام ، وهذا قد كان مشتبها على بعضهم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث