باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعنكم من سحوركم آذان بلال
( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يمنعنكم من سحوركم آذان بلال ) 28 - ( حدثنا عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر والقاسم بن محمد ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن بلالا كان يؤذن بليل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر . قال القاسم : ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا ) .
مطابقته للترجمة من حيث إن معناه ومعنى الترجمة واحد وإن اختلف اللفظ ، وقال ابن بطال : ولم يصح عند البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظ الترجمة ، فاستخرج معناه من حديث عائشة ، وقال صاحب ( التلويح ) : فيه نظر من حيث إن البخاري صح عنده لفظ الترجمة ، وذلك أنه ذكر في باب الآذان قبل الفجر حديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا يمنعن أحدكم أو واحدا منكم آذان بلال من سحوره " فلو خرجه أبو عبد الله في هذا الباب لكان أمس ،
وقال ابن بطال : ولفظ الترجمة رواه وكيع عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة ، عن سمرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يمنعنكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطير في الأفق " ، وقال الترمذي : هو حديث حسن، وقد مضى في كتاب مواقيت الصلاة في باب الآذان قبل الفجر ، عن يوسف بن عيسى ، عن الفضل بن موسى ، عن عبيد الله بن عمر ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - إلى آخره ، وهنا أخرجه عن عبيد بن إسماعيل ، اسمه في الأصل عبد الله ، يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي ، مر في الحيض عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق . قوله : " والقاسم " بالجر عطف على نافع لا على ابن عمر ؛ لأن عبيد الله بن عمر رواه عن نافع ، عن ابن عمرو ، عن القاسم ، عن عائشة ، والحاصل أن لعبيد الله هنا شيخان يروي عنهما ، وهما نافع والقاسم بن محمد ، وقال ابن التين : وأخطأ من ضبطه بالرفع ، قوله : " حتى يؤذن ابن أم مكتوم " هو عمرو بن القيس العامري ، وقيل غير ذلك ، وقد مر فيما مضى ، وأم مكتوم اسمها عاتكة بنت عبد الله ، قوله : " إلا أن يرقى " بفتح القاف أي يصعد ، يقال : رقى يرقى رقيا من باب علم يعلم ، قوله : " وينزل " بالنصب أي وأن ينزل ، وكلمة " أن " مصدرية ، وكلمة " ذا " في الموضعين في محل الرفع على الفاعلية ، وقال المهلب : والذي يفهم من اختلاف ألفاظ هذا الحديث أن بلالا كانت رتبته أن يؤذن بليل على أمره به الشارع من الوقت ليرجع القائم وينبه النائم وليدرك السحور منهم من لم يتسحر ، وقد روى هذا كله ابن مسعود عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فكانوا يتسحرون بعد آذانه ، وفيه قريب أذان ابن أم مكتوم من آذان بلال ، وقال الداودي : قوله : " لم يكن بين أذانيهما " إلى آخره ، وقد قيل له : أصبحت أصبحت ، دليل على أن ابن أم مكتوم كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه لأنه لم يكن يكتفي بآذان بلال في علم الوقت ؛ لأن بلالا - فيما يدل عليه ج١٠ / ص٢٩٧الحديث - كان تختلف أوقاته وإنما حكى من قال : ينزل ذا ويرقى ذا ، ما شاهد في بعض الأوقات ، ولو كان فعله لا يختلف لا كتفى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل : " فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " ولقال : إذا فرغ بلال فكفوا ، ولكنه جعل أول أذان ابن أم مكتوم علامة للكف ، ويحتمل أن لابن أم مكتوم من يراعي الوقت ، ولولا ذلك لكان ربما خفي عنه الوقت ، ويبين ذلك ما روى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب " عن سالم قال : كان ابن أم مكتوم ضرير البصر ، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر : إذن " ، وقد روى الطحاوي من حديث أنيسة - وكانت حجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : كان إذا نزل وأراد أن يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا به ، قالوا : كما أنت حتى نتسحر ، وقال أبو عبد الملك هذا الحديث فيه صعوبة ، وكيف لا يكون بين آذانيهما إلا ذلك ، وهذا يؤذن بليل وهذا بعد الفجر ، فإن صح أن بلالا كان يصلي ويذكر الله في الموضع الذي هو به حين يسمع مجيء ابن أم مكتوم ، وهذا ليس يبين لأنه قال : " لم يكن بين آذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا " فإذا أبطأ بعد الآذان لصلاة وذكر لم يقل ذلك ، وإنما يقال : لما نزل هذا طلع هذا ، وقال الداودي : فعلى هذا كان في وقت تأخر بلال بآذانه فشهده القاسم فظن أن ذلك عادتهما ، قال : وليس بمنكر أن يأكلوا حتى يأخذ الآخر في آذانه ، وجاء أنه كان لا ينادي حتى يقال له : أصبحت أصبحت ، أي دخلت في الصباح أو قاربته ، وقال صاحب ( التوضيح ) : قوله : فشهده القاسم غلط ، فتأمله ( قلت ) لأن قاسما لم يدرك هذا . ومما يستفاد من هذا الباب أن الصائم له أن يأكل ويشرب إلى طلوع الفجر الصادق ، فإذا طلع الفجر الصادق كف ، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ، وذهب معمر وسليمان الأعمش وأبو مجلز والحكم بن عتيبة إلى جواز التسحر ما لم تطلع الشمس ، واحتجوا في ذلك بحديث حذيفة رواه الطحاوي من رواية زر بن حبيش ، قال : تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد ، فمررت بمنزل حذيفة ، فدخلت عليه ، فأمر بلقحة فحلبت ، وبقدر فسخنت ، ثم قال : كل فقلت : إني أريد الصوم ، فقال : وأنا أريد الصوم ، قال : فأكلنا وشربنا ، ثم أتينا المسجد ، فأقيمت الصلاة ، قال : هكذا فعل بي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أو صنعت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : بعد الصبح ، قال : بعد الصبح ، غير أن الشمس لم تطلع ، وأخرجه النسائي وأحمد في ( مسنده ) ، وقال ابن حزم عن الحسن : كل ما امتريت ، وعن ابن جريج ( قلت ) لعطاء : أيكره أن أشرب وأنا في البيت ، لا أدري لعلي أصبحت ، قال : لا بأس بذلك هو شك ، وقال ابن شيبة : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن مسلم قال : لم يكونوا يعدون الفجر فجركم ، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق ، وعن معمر أنه كان يؤخر السحور جدا حتى يقول الجاهل : لا صوم له ، وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر ،
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي - رضي الله عنه - أنه صلى الصبح ثم قال : الآن حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وقال ابن المنذر : ذهب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض من الطرق والسكك والبيوت ،
وروي بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي - وله صحبة - أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال له : اخرج فانظر هل طلع الفجر ، قال : فنظرت ثم أتيته فقلت : قد ابيض وسطع ، ثم قال : اخرج فانظر هل طلع ، فنظرت فقلت : قد اعترض ، فقال : الآن أبلغني شرابي، وروي من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال : لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت ، وروى الترمذي وقال : حدثنا هناد ، حدثنا ملازم بن عمرو ، حدثني عبيد الله بن النعمان ، عن قيس بن طلق بن علي ، حدثني أبي طلق بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وكلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد ، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر " ، قوله : " لا يهيدنكم " أي لا يمنعنكم الأكل ، من هاد يهيد ، وأصل الهيد الزجر ، قوله : " الساطع المصعد " قال الخطابي : سطوعه ارتفاعه مصعدا قبل أن يعترض ، قال : ومعنى الأحمر هاهنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة ، والله أعلم بالصواب .