باب وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين
وقال ابن نمير : حدثنا الأعمش قال : حدثنا عمرو بن مرة قال : حدثنا ابن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ، ورخص لهم في ذلك ، فنسختها وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ فأمروا بالصوم . مطابقته للترجمة في قوله : فكان من أطعم إلى قوله : فنسختها وابن نمير بضم النون اسمه عبد الله مر في باب ما ينهى من الكلام في الصلاة ، والأعمش هو سليمان عمرو بن مرة ، بضم الميم وتشديد الراء ، وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن ، رأى كثيرا من الصحابة ، مثل : عمر وعثمان وعلي وغيرهم ، وهذا تعليق وصله البيهقي من طريق أبي نعيم في المستخرج : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولا عهد لهم بالصيام ، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر ، حتى نزل رمضان ، فاستكثروا ذلك ، وشق عليهم ، فكان من أطعم مسكينا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه رخص لهم في ذلك ، ثم نسخه وأن تصوموا خير لكم فأمروا بالصيام . وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق شعبة ، والمسعودي ، عن الأعمش مطولًا في الأذان والقبلة والصيام .
واختلف في إسناده اختلافا كثيرا ، وطريق ابن نمير هذا أرجحها . قوله : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أشار به إلى أنه روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة ، ولا يقال لمثل هذا : رواية مجهول ؛ لأن الصحابة كلهم عدول . قوله : فنسختها وَأَنْ تَصُومُوا ، الضمير في نسختها ، يرجع إلى الإطعام الذي يدل عليه أطعم ، والتأنيث باعتبار الفدية .
وقوله وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ في محل الرفع على الفاعلية ، والتقدير : قوله وَأَنْ تَصُومُوا وكلمة أن مصدرية تقديره : وصومكم خير لكم . وقال الكرماني : فإن قلت : كيف وجه نسخها لها والخيرية لا تقتضي الوجوب . قلت : معناه الصوم خير من التطوع بالفدية ، والتطوع بها سنة ، بدليل أنه خير ، والخير من السنة لا يكون إلا واجبا .
انتهى . قلت : إن كان المراد من السنة هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم فسنة النبي كلها خير ، فيلزم أن تكون كل سنة واجبة ، وليس كذلك . وقال السدي : عن مرة ، عن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قال : والله يقول : الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي يتجشمونه ، قال : عبد الله : فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا فَمَنْ تَطَوَّعَ قال : أطعم مسكينا آخر فهو خير له وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ فكانوا كذلك حتى نسختها : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ