باب صوم شعبان
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ . مطابقته للترجمة في قوله ( وما رأيته أكثر صياما منه من شعبان ) وأبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ، اسمه سالم بن أبي أمية ، قد مر في باب المسح على الخفين . والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا ، عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك ، وأخرجه الترمذي في الشمائل ، عن أبي مصعب الزهري ، عن مالك ، وأخرجه النسائي في الصوم ، عن الربيع بن سليمان ، عن ابن وهب ، عن مالك ، وعمرو بن الحارث .
قوله ( كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم حتى نقول لا يفطر ) يعني ينتهي صومه إلى غاية نقول إنه لا يفطر ، فينتهي إفطاره إلى غاية حتى نقول إنه لا يصوم ، وذلك لأن الأعمال التي يتطوع بها ليست منوطة بأوقات معلومة ، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها . قوله ( فما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استكمل صيام شهر إلا رمضان ) وهذا يدل على أنه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصم شهرا تاما غير رمضان . فإن قلت : روى أبو داود من حديث أبي سلمة ، عن أم سلمة : لم يكن يصوم في السنة شهرا كاملا إلا شعبان يصله برمضان .
وهذا يعارض حديث عائشة ، وكذلك روى الترمذي من حديث سالم بن أبي الجعد ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة قالت : ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان ، وهذا أيضا يعارضه . قلت : قال الترمذي : روي عن ابن المبارك أنه قال في هذا الحديث قال : هو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال : صام الشهر كله ، ويقال : قام فلان ليله أجمع ، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره ، ثم قال الترمذي : كان ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين يقول : إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله تعالى : هذا فيه ما فيه ؛ لأنه قال فيه إلا شعبان ورمضان ، فعطف رمضان عليه ، يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه ، والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه ، وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول إن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه . وفيه خلاف لأهل الأصول .
انتهى . قلت : لا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضا ؛ لأن من قال ذلك قال في اللفظ الواحد ، وهنا لفظان شعبان ورمضان ، وقال ابن التين : إما أن يكون في أحدهما وهم أو يكون فعل هذا وهذا ، أو أطلق الكل على الأكثر مجازا ، وقيل : كان يصومه كله في سنة ، وبعضه في سنة أخرى ، وقيل : كان يصوم تارة من أوله ، وتارة من آخره ، وتارة منهما لا يخلي منه شيئا بلا صيام . فإن قلت : ما وجه تخصيصه شعبان بكثرة الصوم .
قلت : لكون أعمال العبادة ترفع فيه ، ففي النسائي من حديث أسامة . قلت : يا رسول الله أراك لا تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال : ذاك شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ، وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي أراك تكثر صيامك فيه ؟ قال : يا عائشة إنه شهر ينسخ فيه ملك الموت من يقبض ، وأنا أحب أن لا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم . قال المحب الطبري : غريب من حديث هشام بن عروة بهذا اللفظ ، رواه ابن أبي الفوارس في أصول أبي الحسن الحمامي ، عن شيوخه ، وعن حاتم بن إسماعيل ، عن نصر بن كثير ، عن يحيى بن سعيد ، عن عروة ، عن عائشة قالت : لما كانت ليلة النصف من شعبان انسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرطي . .
الحديث ، وفي آخره : هل تدري ما في هذه الليلة قالت : ما فيها يا رسول الله ؟ قال : فيها أن يكتب كل مولود من بني آدم في هذه السنة ، وفيها أن يكتب كل هالك من بني آدم في هذه السنة ، وفيها ترفع أعمالهم ، وفيها تنزل أرزاقهم ، رواه البيهقي في كتاب ( الأدعية ) ، وقال : فيه بعض من يجهل . وروى الترمذي من حديث صدقة بن موسى ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله تعالى عنه سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : أي الصوم أفضل بعد رمضان ؟ قال : شعبان لتعظيم رمضان ، وسئل : أي الصدقة أفضل ؟ قال : صدقة في رمضان . ثم قال : حديث غريب ، وصدقة ليس عندهم بذاك القوي ، وقد روي أن هذا الصيام كان لأنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر كما قال ابن عمر ، فربما يشتغل عن صيامها أشهرا ، فيجمع ذلك كله في شعبان ، فيتداركه قبل رمضان حكاه ابن بطال ، وقال الداودي : أرى الإكثار فيه أنه ينقطع عنه التطوع برمضان ، وقيل : يجوز أنه كان يصوم صوم داود عليه السلام ، فيبقى عليه بقية يعملها في هذا الشهر .
وجمع المحب الطبري فيه ستة أقوال : أحدها : أنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فربما تركها ، فيتداركها فيه . ثانيها : تعظيما لرمضان . ثالثها : أنه ترفع فيه الأعمال .
رابعها : لأنه يغفل عنه الناس . خامسها : لأنه تنسخ فيه الآجال . سادسها : أن نساءه كن يصمن فيه ما فاتهن من الحيض ، فيُتشاغل عنه به ، والحكمة في كونه لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه .
فإن قلت : صح في مسلم : أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم ، فكيف أكثر منه في شعبان ، ويعارضه أيضا رواية الترمذي : أي الصوم أفضل بعد رمضان ؟ قال : شعبان . قلت : لعله كان يعرض له فيه أعذار من سفر أو مرض أو غير ذلك أو لعله لم يعلم بفضل المحرم إلا في آخر عمره قبل التمكن منه ، ولأن ما رواه الترمذي لا يقاوم ما رواه مسلم . قوله ( أكثر صياما ) كذا هو بالنصب عند أكثر الرواة ، وحكى السهيلي أنه روي بالخفض ، قيل : هو وهم ، ولعل بعض النساخ كتب الصيام بغير ألف على رأي من يقف على المنصوب بغير ألف ، فتوهم مخفوضا ، أو ظن بعض الرواة أنه مضاف إليه ، فلا يصح ذلك ، وأما لفظة أكثر فإنه منصوب ؛ لأنه مفعول ثان لقوله : وما رأيته .
قوله ( من شعبان ) وزاد يحيى بن أبي كثير في روايته : فإنه كان يصوم شعبان كله ، وزاد ابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، عن عائشة أنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان ، فإنه كان يصوم شعبان إلا قليلا . وفي رواية الترمذي ، عن أبي سلمة ، عن عائشة أنها قالت : ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياما فيه في شعبان ، كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله . انتهى .
قالوا : معنى كله أكثره ، فيكون مجازا . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : أن هذا المجاز قليل الاستعمال جدا ، والثاني : أن لفظة كل تأكيد لإرادة الشمول ، وتفسيره بالبعض مناف له ، والثالث : أن فيه كلمة الإضراب ، وهي تنافي أن يكون المراد الأكثر إذ لا يبقى فيه حينئذ فائدة ، والأحسن أن يقال فيه : إنه باعتبار عامين فأكثر ، فكان يصومه كله في بعض السنين ، وكان يصوم أكثره في بعض السنين ، وذكر بعض العلماء أنه وقع منه صلى الله عليه وسلم وصل شعبان برمضان ، وفصله منه ، وذلك في سنتين فأكثر ، وقال الغزالي في ( الإحياء ) : فإن وصل شعبان برمضان فجائز ، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ، وفصل مرارا كثيرة . انتهى .
قلت : على هذا الوجه يبعد وجوده منصوصا عليه في الحديث ، نعم وقع منه الوصل والفصل ، أما الوصل فهو في حديث الترمذي ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان . وأما الفصل ففي حديث أبي داود من رواية عبد الله بن أبي قيس ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، ثم يصوم لرمضان ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام . وأخرجه الدارقطني وقال : هذا إسناد صحيح ، والحاكم في المستدرك وقال : هذا صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
وروى الطبراني من حديث أبي أمامة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان . ورجال إسناده ثقات ، وروي أيضا من حديث أبي ثعلبة بلفظ : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان ورمضان يصلهما . وفي إسناده الأحوص بن حكيم ، وهو مختلف فيه .
وروي أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ حديث أبي أمامة ، وفي إسناده يوسف بن عطية ، وهو ضعيف . فإن قلت : كيف التوفيق بين هذه الأحاديث ، وبين حديث أبي هريرة الذي رواه أصحاب السنن ، فأبو داود من حديث الدراوردي ، والترمذي كذلك ، والنسائي من رواية أبي العميس ، وابن ماجه من رواية مسلم بن خالد ، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا . هذا لفظ الترمذي ، ولفظ أبي داود : إذا انتصف شعبان فلا تصوموا .
ولفظ النسائي : فكفوا عن الصوم ، ولفظ ابن ماجه : إذا كان النصف من شعبان فلا صوم . وفي لفظ ابن حبان : فأفطروا حتى يجيء رمضان . وفي لفظ ابن عدي : إذا انتصف شعبان فأفطروا .
وفي لفظ البيهقي : إذا مضى النصف من شعبان ، فأمسكوا ، عن الصيام حتى يدخل رمضان . قلت : أما أولا فقد اختلف في صحة هذا الحديث ، فصححه الترمذي ، وابن حبان ، وابن عساكر ، وابن حزم ، وضعفه أحمد فيما حكاه البيهقي ، عن أبي داود قال : قال أحمد : هذا حديث منكر ، قال : وكان عبد الرحمن لا يحدث به ، وأما ثانيا فقال قوم ممن لا يقول بحديث العلاء بأن أبا هريرة كان يصوم في النصف الثاني من شعبان ، فدل على أن ما رواه منسوخ ، وقيل : يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام أو عبادة .