باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال : حَدَّثَني جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قال : حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً ، فَقَالَ لَهَا : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا . فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا ، فَقَالَ : كُلْ ، قَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ ، قَالَ : مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ ، قَالَ : فَأَكَلَ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ ، قَالَ : نَمْ ، فَنَامَ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ ، فَقَالَ : نَمْ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، قَالَ سَلْمَانُ : قُمْ الْآنَ ، فَصَلَّيَا ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ . فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ سَلْمَانُ .
مطابقته للترجمة من حيث إن أبا الدرداء صنع لسلمان طعاما ، وكان سلمان صائما ، فأفطر بعد محاورة ، ثم لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك لم يأمره بالقضاء ، وقال بعضهم : ذكر القسم لم يقع في حديث أبي جحيفة هنا ، وأما القضاء فليس في شيء من طرقه إلا أن الأصل عدمه ، وقد أقره الشارع ، ولو كان القضاء واجبا لبينه مع حاجته إلى البيان . انتهى . قلت : في رواية البزار ، عن محمد بن بشار شيخ البخاري في هذا الحديث ، فقال : أقسمت عليك لتفطرن ، وكذا في رواية ابن خزيمة ، والدارقطني ، والطبراني ، وابن حبان ، فكأن شيخ البخاري محمد بن بشار لما حدث بهذا الحديث لم يذكر له هذه الجملة ، وبلغ البخاري ذلك من غيره ، فذكرها في الترجمة ، وإن لم يقع في روايته ، وقد ذكر البخاري هذا الحديث أيضا في كتاب الأدب ، عن محمد بن بشار بهذا الإسناد ، ولم يذكر هذه الجملة أيضا .
وقيل : القسم مقدر قبل قوله ( ما أنا بآكل ) كما في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وأما قوله ( وأما القضاء . . ) إلى آخره ، فالجواب عنه أن القضاء ثبت في غيره من الأحاديث ، ونذكرها الآن ، وقوله ( فليس في شيء من طرقه ) لا يستلزم عدم ذكره القضاء في طرق هذا الحديث نفي وجوب القضاء في طرق غيره ، وقوله ( إلا أن الأصل عدمه ) أي : عدم القضاء غير مسلم بل الأصل وجوب القضاء ؛ لأن الذي يشرع في عبادة يجب عليه أن يأتي بها ، وإلا يكون مبطلا لعمله ، وقد قال تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ . فإن قلت : قال أبو عمر : أما من احتج في هذه المسألة بقوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فجاهل بأقوال أهل العلم ، وذلك أن العلماء فيها على قولين ، فيقول أكثر أهل السنة : لا تبطلوها بالرياء أخلصوها لله تعالى ، وقال آخرون : لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر .
قلت : من أين لأبي عمر هذا الحصر . وقد اختلفوا في معناه ، فقيل : لا تبطلوا الطاعات بالكبائر ، وقيل : لا تبطلوا أعمالكم بمعصية الله ومعصية رسوله ، وعن ابن عباس : لا تبطلوها بالرياء والسمعة عنه بالشك والنفاق ، وقيل : بالعجب ، فإن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، وقيل : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ، والأذى على أن قوله : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ عام يتناول كل من يبطل عمله سواء كان في صوم أو في صلاة ونحوهما من الأعمال المشروعة ، فإذا نهى عن إبطاله يجب عليه قضاؤه ليخرج عن عهدة ما شرع فيه وأبطله . وأما الأحاديث الموعود بذكرها ، فمنها ما رواه الترمذي قال : حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا كثير بن هشام ، حدثنا جعفر بن برقان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كنت أنا وحفصة صائمتين ، فعرض لنا طعام اشتهيناه ، فأكلنا منه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبدرتني إليه حفصة ، وكانت ابنة أبيها ، فقالت : يا رسول الله إنا كنا صائمتين ، فعرض لنا طعام اشتهيناه ، فأكلنا منه ، فقال : اقضيا يوما آخر مكانه .
ورواه أبو داود ، والنسائي أيضا من رواية يزيد بن الهاد ، عن زميل مولى عروة ، عن عروة ، عن عائشة قالت : أهدي لي ولحفصة طعام ، وكنا صائمتين ، فأفطرنا ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا له : يا رسول الله إنا أهديت لنا هدية ، فاشتهيناها فأفطرنا ، فقال : لا عليكما صوما مكانه يوما آخر . وأخرجه النسائي من رواية جعفر بن برقان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وأخرجه أيضا من رواية يحيى بن أيوب ، عن إسماعيل بن عقبة ، قال : وعندي في موضع آخر : أو إسماعيل بن إبراهيم ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قال يحيى بن أيوب ، وحدثني صالح بن كيسان ، عن الزهري . . مثله .
قال النسائي : وجدته في موضع آخر عندي حدثني صالح بن كيسان ، ويحيى بن سعيد مثله . فإن قلت : قال الترمذي : رواه مالك بن أنس ، ومعمر ، وعبيد الله بن عمر ، وزياد بن سعد ، وغير واحد من الحفاظ ، عن الزهري ، عن عائشة مرسلا ، وقال الترمذي أيضا في ( العلل ) : سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث ، فقال : لا يصح حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة في هذا , قال : وجعفر بن برقان ثقة ، وربما يخطئ في الشيء ، وكذا قال محمد بن يحيى الذهلي : لا يصح عن عروة ، وقال النسائي في ( سننه ) بعد أن رواه : هذا خطأ ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) بعد ذكره لهذا الحديث : مدار حديث صالح بن كيسان ، ويحيى بن سعيد على يحيى بن أيوب ، وهو صالح ، وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث ، وجعفر بن برقان في الزهري ليس بشيء ، وسفيان بن حسين وصالح بن أبي الأخضر في حديثهما خطأ كثير ، قال : وحفاظ ابن شهاب يروونه مرسلا . قلت : وقد وصله آخرون ، فجعلوه عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، وهم جعفر بن برقان ، وسفيان بن حسين ، ومحمد بن أبي حفصة ، وصالح بن أبي الأخضر ، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، وصالح بن كيسان ، وحجاج بن أرطأة ، وإذا دار الحديث بين الانقطاع والاتصال ، فطريق الاتصال أولى ، وهو قول الأكثرين ، وذلك لأن طريق الانقطاع ساكت عن الراوي وحاله أصلا ، وفي طريق الاتصال بيان له ، ولا معارضة بين الساكت والناطق ، ولئن سلمنا أنه روي مرسلا أنه أصح ، وقد وافقه حديث متصل ، وهو حديث عائشة بنت طلحة رواه الطحاوي قال : حدثنا المزني قال : حدثنا الشافعي قال : حدثنا سفيان ، عن طلحة بن يحيى ، عن عمته عائشة بنت طلحة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : يا رسول الله إنا قد خبأنا لك حيسا ، فقال : أما إني كنت أريد الصوم ، ولكن قربيه ، سأصوم يوما مكان ذلك .
قال محمد هو ابن إدريس : سمعت سفيان عامة مجالستي إياه لا يذكر فيه : سأصوم يوما مكان ذلك ، قال : ثم إني عرضت عليه الحديث قبل أن يموت بسنة ، فأجاب فيه سأصوم يوما مكان ذلك . ورواه البيهقي في ( سننه الكبير ) من طريق الطحاوي ، وفي كتابه ( المعرفة ) أيضا ، ففي هذا الحديث ذكر وجوب القضاء ، وفي حديث عائشة ما قد وافق ذلك . ثم انظر ما أقول لك من العجب العجاب ، وهو أن أحمد قال : هذا الحديث قد رواه جماعة عن سفيان دون هذه اللفظة ، ورواه جماعة عن طلحة بن يحيى دون اللفظة ، منهم سفيان الثوري ، وشعبة بن الحجاج ، وعبد الواحد بن زياد ، ووكيع بن الجراح ، ويحيى بن سعيد القطان ، ويعلى بن عبيد ، وغيرهم ، وأخرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث عبد الواحد ، وغيره دون هذه اللفظة ، وقال البيهقي في ( السنن الكبيرة ) : رواية هؤلاء تدل على خطأ هذه اللفظة ، وهذا العجب العجاب منه أن يخطئ هاهنا إمامه الشافعي ، ويخطئ مثل سفيان بن عيينة ، والشافعي إمام ثقة .
وروى هذه اللفظة من مثل سفيان الذي هو من أكبر مشايخه ، ثم لم يذكر خلافه عنه ، ثم يتلفظ بمثل هذا الكلام البشيع لأجل تضعيف ما احتجت به الحنفية ، وغمض عينيه من جهة الشافعي ، ومن جهة شيخه ، وليس هذا من دأب العلماء الراسخين ، فضلا عن العلماء المقلدين . وأما قول البخاري والذهلي : إنه لا يصح ، فهو نفي ، والإثبات مقدم عليه ، وقوله : قال النسائي هذا خطأ ، دعوى بلا إقامة برهان ؛ لأن كونه مرسلا على زعمهم لا يستلزم كونه خطأ ، وقول أبي عمر فيه وهمان أحدهما أن قوله : مدار حديث يحيى بن سعيد على يحيى بن أيوب غفلة منه ، فإنه هو بعد هذا بأسطر رواه من رواية أبي خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد ، وغيره ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . والثاني أن قوله : وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث ، قد انقلب عليه هذا الاسم ، فظن إسماعيل بن إبراهيم هو ابن حبيبة ، قال فيه أبو حاتم : متروك الحديث ، وليس هو الراوي لهذا الحديث ، وهذا إسماعيل بن عقبة احتج به البخاري ، ووثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، والنسائي .
فإن قلت : في رواية أبي داود التي تقدمت وذكرناها آنفا زميل مولى عروة ، عن عروة قال البخاري : لا يصح لزميل سماع من عروة ، ولا ليزيد من زميل ، ولا تقوم به الحجة . قلت : في ( سنن ) النسائي التصريح بسماع يزيد منه ، وقول البخاري : لا يصح لزميل سماع عن عروة - نفي ، فيقدم عليه الإثبات ، وزميل هو ابن عباس أو عياش مولى عروة ، قيل : بضم الزاي وفتح الميم ، وقيل : بفتح الزاي وكسر الميم ، ولحديث عائشة رضي الله تعالى عنها طريق آخر رواه النسائي عن أحمد بن عيسى ، عن ابن وهب ، عن جرير بن حازم ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها . . الحديث ، وفي آخره قال : صوما يوما مكانه ، وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) ، عن ابن قتيبة ، عن حرملة ، عن ابن وهب ، وقال ابن عبد البر في ( التمهيد ) : وأحسن حديث في هذا الباب حديث ابن الهاد عن زميل ، عن عروة ، وحديث جرير بن حازم ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة .
ومنها ما رواه ابن عباس أخرجه النسائي من رواية خطاب بن القاسم ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على حفصة وعائشة ، وهما صائمتان ، ثم خرج ، فرجع وهما يأكلان ، فقال : ألم تكونا صائمتين ؟ قالتا : بلى ، ولكن أهدي لنا هذا الطعام ، فأعجبنا فأكلنا منه ، فقال : صوما يوما مكانه . فإن قلت : قال النسائي ، وابن عبد البر : هذا الحديث منكر . قلت : إنما قالا ذلك بسبب خطاب بن القاسم ، عن خصيف ؛ لأن فيهما مقالا فيما قاله عبد الحق ، وقال ابن القطان : خطاب ثقة ، قاله ابن معين ، وأبو زرعة ، ولا أحفظ لغيرهما فيه ما يناقض ذلك ، وقال أبو داود ، ويحيى بن معين ، وأبو زرعة ، والعجلي : خصيف ثقة ، عن ابن معين صالح ، وعنه ليس به بأس ، وعن أحمد : ليس بحجة .
ومنها حديث أبي هريرة رواه العقيلي في ( تاريخ الضعفاء ) من حديث محمد بن أبي سلمة ، عن محمد بن عمر ، وعن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : أهديت لعائشة وحفصة هدية ، وهما صائمتان ، فأكلتا منها ، فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : اقضيا يوما مكانه ، ولا تعودا . أورده في ترجمة محمد بن أبي سلمة المكي ، وقال : لا يتابع على حديثه . ومنها حديث أم سلمة رواه الدارقطني في الأفراد من رواية محمد بن حميد ، عن الضحاك بن حمرة ، عن منصور بن أبان ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة : أنها صامت يوما تطوعا فأفطرت ، فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن تقضي يوما مكانه .
فإن قلت : قال الدارقطني : تفرد به الضحاك ، عن منصور ، والضحاك ليس بشيء ، قاله ابن معين ، ومحمد بن حميد كذاب ، قاله أبو زرعة . قلت : الضحاك بن حمرة بضم الحاء المهملة ، وبعد الميم راء ، الأملوكي الواسطي ذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، وإذا كان الضحاك ثقة لا يروي عن كذاب . ومنها حديث جابر رواه الدارقطني من حديث محمد بن المنكدر عنه قال : صنع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طعاما ، فدعا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأصحابا له ، فلما أتي بالطعام تنحى أحدهم ، فقال له صلى الله تعالى عليه وسلم : ما لك ؟ فقال : إني صائم ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : تكلف لك أخوك وصنع ، ثم تقول : إني صائم ، كل وصم يوما مكانه .
وروى الطحاوي من حديث سعيد بن أبي الحسن ، عن ابن عباس : أنه أخبر أصحابه أنه صام ، ثم خرج عليهم ، ورأسه يقطر ، فقالوا : ألم تك صائما ؟ قال : بلى ، ولكن مرت بي جارية لي ، فأعجبتني فأصبتها ، وكانت حسنة ، فهممت بها ، وأنا قاضيها يوما آخر . وأخرج ابن حزم في ( المحلى ) من طريق وكيع ، عن سيف بن سليمان المكي قال : خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما على الصحابة ، فقال : إني أصبحت صائما ، فمرت بي جارية فوقعت عليها ، فما ترون ؟ قال : فلم يألوا ما شكوا عليه ، وقال له علي رضي الله تعالى عنه : أصبت حلالا ، وتقضي يوما مكانه ، قال له عمر رضي الله تعالى عنه : أنت أحسنهم فتيا . وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن عثمان البتي ، عن أنس بن سيرين رضي الله تعالى عنه أنه صام يوم عرفة ، فعطش عطشا شديدا ، فأفطر ، فسأل عدة من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فأمروه أن يقضي يوما مكانه .
وروي وجوب القضاء عن أبي بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وعائشة ، وأم سلمة رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول الحسن البصري ، وسعيد بن جبير في قول ، وأبي حنيفة ، ومالك ، وأبي يوسف ، ومحمد رحمهم الله . ومذهب مجاهد ، وطاوس ، وعطاء ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : أن المتطوع بالصوم إذا أفطر بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه إلا أنه يحب هو أن يقضيه ، وروي ذلك عن سلمان ، وأبي الدرداء ، واحتجوا في ذلك بحديث أم هانئ رواه أحمد عنها : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شرب شرابا ، فناولها لتشرب ، فقالت : إني صائمة ، ولكني كرهت أن أرد سؤرك ، فقال : إن كان من قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه ، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضي ، وإن شئت فلا تقضي . وأخرجه الطحاوي من ثلاث طرق ، وأخرجه الترمذي ، حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا أبو داود قال : أنبأنا شعبة ، كنت أسمع سماك بن حرب يقول : حدثني أحد بني أم هانئ ، فلقيت أفضلهم ، وكان اسمه جعدة ، فحدثني عن جدته : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دخل عليها ، فدعا بشراب فشرب ، ثم ناولها ، فشربت ، فقالت : يارسول الله ، أما إني كنت صائمة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام ، وإن شاء أفطر .
قال شعبة : فقلت له : أنت سمعت هذا من أم هانئ ؟ قال : لا ، أخبرني أبو صالح وأهلنا ، عن أم هانئ . وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن سماك ، فقال : ابن بنت أم هانئ ، ورواية شعبة أحسن ، وقال الترمذي : حديث أم هانئ في إسناده مقال . قلت : هذا الحديث فيه اضطراب متنا وسندا ، أما الأول فظاهر ، وقد ذكر فيه أنه كان يوم الفتح ، وهي أسلمت عام الفتح ، وكان الفتح في رمضان ، فكيف لا يلزمها قضاؤه ، وقال الذهبي في ( مختصر سنن البيهقي ) : ولا أراه يصح ، فإن يوم الفتح كان صومها فرضا لأنه رمضان ، وقال غيره : ومما يوهن هذا الخبر أنها يوم الفتح ، فلا يجوز لها أن تكون متطوعة ؛ لأنها كانت في شهر رمضان قطعا .
وأما اضطراب سنده ، فاختلف سماك فيه ، فتارة رواه عن أبي صالح ، وتارة عن جعدة ، وتارة عن هارون ، أما أبو صالح فهو باذان ، ويقال : باذام ضعفوه ، وقال البيهقي : ضعيف لا يحتج بخبره ، وقال في باب أصل القسامة : أبو صالح ، عن ابن عباس ضعيف ، وعن الكلبي قال لي أبو صالح : كل ما حدثتك به كذب . وفي ( السنن الكبرى ) للنسائي : هو ضعيف الحديث ، وعن حبيب بن أبي ثابت : كنا نسميه الدرودن ، وهو باللغة الفارسية الكذاب . وقال النسائي : وقد روي أنه قال في مرضه : كل شيء حدثتكم به فهو كذب ، وأما جعدة فمجهول ، وقال النسائي : لم يسمعه جعدة عن أم هانئ ، وأما هارون فمجهول الحال ، قاله ابن القطان ، واختلف في نسبه ، فقيل ابن أم هانئ ، وقيل : ابن هانئ ، وقيل : ابن ابنة أم هانئ ، وقيل : هذا وهم ، فإنه لا يعرف لها بنت ، وقال النسائي : اختلف على سماك فيه ، وسماك لا يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث ، وقد رواه النسائي ، وغيره من غير طريق سماك فيه ، وليس فيه قوله ( فإن شئت فاقضيه ، وإن شئت فلا تقضيه ) ، ولم يرو هذا اللفظ عن سماك غير حماد بن سلمة ، وأخرجه البيهقي من رواية حاتم بن أبي صعيرة ، وأبي عوانة ، كلاهما عن سماك ، وليس فيه هذه اللفظة .
ذكر رجال الحديث ، وهم خمسة : الأول : محمد بن بشار بالباء الموحدة ، وتشديد الشين المعجمة . الثاني : جعفر بن عون بفتح العين المهملة ، وسكون الواو ، وفي آخره نون أبو عون المخزومي القرشي . الثالث : أبو العميس بضم العين المهملة ، وفتح الميم ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة ، واسمه عتبة بن عبد الله بن مسعود ، وقد مر في زيادة الإيمان .
الرابع : عون بن أبي جحيفة . الخامس : أبوه أبو جحيفة بضم الجيم ، وفتح الحاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الفاء ، واسمه وهب بن عبد الله السوائي . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع .
وفيه العنعنة في موضعين . وفيه أن محمد بن بشار بصري ، ويلقب ببندار ؛ لأنه كان بندارا في الحديث ، والبندار الحافظ ، وهو شيخ الجماعة ، والبقية كوفيون . وفيه أن هذا الحديث لم يروه إلا أبو العميس ، عن عون بن أبي جحيفة ، ولا لأبي العميس راو إلا جعفر بن عون ، وأنهما منفردان بذلك نبه عليه البزار ، وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا في الأدب ، وأخرجه الترمذي أيضا عن محمد بن بشار في الزهد ، وقال : حديث حسن صحيح .
ذكر معناه : قوله ( آخى النبي صلى الله عليه وسلم ) من المؤاخاة ، وهي اتخاذ الأخوة بين الاثنين يقال : واخاه مواخاة وإخاء وتآخيا على تفاعلا ، وتأخيت إخاء ، أي : اتخذت أخا . ذكر أهل السير والمغازي : أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين : الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة ، وكان من ذلك أخوة زيد بن حارثة ، وحمزة بن عبد المطلب ، ثم آخى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر ، وذلك بعد قدومه المدينة . فإن قلت : روى الواقدي ، عن الزهري : أنه كان ينكر كل مؤاخاة وقعت بعد بدر ، ويقول : قطعت بدر المواريث ، وسلمان إنما أسلم بعد وقعة أحد ، وأول مشاهده الخندق .
قلت : الذي قاله الزهري إنما يريد به المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها ، ومؤاخاة سلمان وأبي الدرداء إنما كانت على المؤاساة ، والمؤاخاة المخصوصة لا تدفع المؤاخاة من أصلها . وروى ابن سعد من طريق حميد بن هلال قال : وآخى بين سلمان وأبي الدرداء ، فنزل سلمان الكوفة ، ونزل أبو الدرداء الشام . قوله ( فزار سلمان أبا الدرداء ) يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجد أبا الدرداء غائبا ، فرأى أم الدرداء متبذلة بفتح التاء المثناة من فوق ، والباء الموحدة ، وتشديد الذال المعجمة المكسورة ، أي : لابسة ثياب البذلة بكسر الباء الموحدة ، وسكون الذال المعجمة ، وهي المهنة وزنا ومعنى ، والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة ، وفي رواية الكشميهني : مبتذلة بتقديم الباء الموحدة ، والتخفيف من الابتذال من باب الافتعال ، ومعناهما واحد ، ووقع في ( الحلية ) لأبي نعيم بإسناد آخر إلى أم الدرداء ، عن أبي الدرداء : أن سلمان دخل عليه ، فرأى امرأته رثة الهيئة ، فذكر القصة مختصرة ، وأم الدرداء هذه اسمها خيرة بفتح الخاء المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف بنت أبي حدرد الأسلمية صحابية بنت صحابي ، وحديثها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ( مسند أحمد ) وغيره ، وماتت قبل أبي الدرداء ، ولأبي الدرداء امرأة أخرى أيضا يقال لها أم الدرداء رضي الله تعالى عنها أيضا اسمها هجيمة تابعية عاشت بعده دهرا ، وروت عنه .
وقد مر الكلام فيه فيما مضى في الصلاة ، وغيرها . قوله ( فقال لها ما شأنك ) ، وزاد الترمذي في روايته : يا أم الدرداء . قوله ( ليست له حاجة في الدنيا ) وفي رواية الدارقطني من وجه آخر ، عن محمد بن عون : في نساء الدنيا ، وزاد فيه ابن خزيمة ، عن يوسف بن موسى ، عن جعفر بن عون : يصوم النهار ، ويقوم الليل .
قوله ( فجاء أبو الدرداء ) وفي رواية الترمذي : فرحب بسلمان ، وقرب إليه طعاما . قوله ( فقال : كل ، قال : فإني صائم ) كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية الترمذي : فقال : كل فإني صائم ، فعلى رواية أبي ذر القائل بقوله ( كل ) هو سلمان ، والمقول له هو أبو الدرداء ، وهو المجيب بأنه صائم ، وعلى رواية الترمذي القائل بقوله ( كل ) هو أبو الدرداء ، والمقول له سلمان . قوله ( قال : ما أنا بآكل ) أي : قال سلمان : ما أنا بآكل من طعامك حتى تأكل ، والخطاب لأبي الدرداء .
قوله ( فأكل ) أي : أبو الدرداء ، ويروى : فأكلا ، يعني سلمان وأبا الدرداء . قوله ( فلما كان الليل ) يعني أول الليل ذهب أبو الدرداء ( يقوم ) يعني للصلاة ، ومحل يقوم نصب على الحال . قوله ( فقال نم ) أي : قال سلمان لأبي الدرداء : نم ، وفي رواية ابن سعد من وجه آخر مرسلا ، فقال له أبو الدرداء : أتمنعني أن أصوم لربي وأصلي لربي .
قوله ( فلما كان من آخر الليل ) أراد عند السحر ، وكذا هو في رواية ابن خزيمة ، وعند الترمذي : فلما كان عند الصبح ، وفي رواية الدراقطني : فلما كان في وجه الصبح . قوله ( قال سلمان قم الآن ) أي : قال سلمان لأبي الدرداء قم في هذا الوقت ، يعني وقت السحر . قوله ( فصليا ) فيه حذف تقديره : فقاما وصليا ، وفي رواية الطبراني : فقاما وتوضآ ، ثم ركعا ، ثم خرجا إلى الصلاة .
قوله ( ولأهلك عليك حقا ) وزاد الترمذي ، وابن خزيمة : ولضيفك عليك حقا ، وزاد الدارقطني : فصم وأفطر ، وصل ونم ، وائت أهلك . قوله ( فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك ، أي : ما ذكر من الأمور له ، أي : للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي رواية الترمذي : فأتيا بالتثنية ، وفي رواية الدارقطني : ثم خرجا إلى الصلاة ، فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالذي قال له سلمان ، فقال له : يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا ، مثل ما قال سلمان ، ففي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما ، وليس ذلك في رواية البخاري ، عن محمد بن بشار ، ويمكن الجمع بينهما بأنه كاشفهما بذلك أولا ، ثم أطلعه أبو الدرداء على صورة الحال ، فقال له : صدق سلمان . وروى هذا الحديث الطبراني من وجه آخر ، عن محمد بن سيرين مرسلا ، فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدرداء ، ولفظه قال : كان أبو الدرداء يحيى ليلة الجمعة ويصوم يومها ، فأتاه سلمان ، فذكر القصة مختصرة ، وزاد في آخرها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عويمر سلمان أفقه منك انتهى .
وعويمر تصغير عامر اسم لأبي الدرداء ، وفي رواية أبي نعيم في ( الحلية ) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد أوتي سلمان من العلم ، وفي رواية ابن سعد : لقد أشبع سلمان علما ، رضي الله عنه . ذكر ما يستفاد منه : فيه جواز الفطر من صوم التطوع لما ترجم له البخاري ، ثم القضاء هل يجب عليه أم لا ؟ قد ذكرناه مع الخلاف فيه ، وقد نقل ابن التين عن مذهب مالك : أنه لا يفطر لضيف نزل به ، ولا لمن حلف عليه بالطلاق ، والعتاق ، وكذا لو حلف هو بالله ليفطرن كفر ولا يفطر ، وسيأتي من حديث أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفطر لما زاره سليم ، وكان صائما تطوعا ، وقد صح عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر من صوم التطوع ، وزاد بعضهم فيه : فأكل ، ثم قال : لكن أصوم يوما مكانه ، وفي ( المبسوط ) بعد الشروع في الصوم لا يباح له الإفطار بغير عذر عندنا ، فيكون بالإفطار جانيا ، فيلزمه القضاء ، ولا خلاف أنه يباح له الإفطار بعذر . واختلفت الروايات في الضيافة ، فروى هشام عن محمد : أنه يبيح الفطر .
وروى الحسن ، عن أبي حنيفة : أنه لا يكون عذرا . وروى ابن أبي مالك ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة : أنه عذر ، وهو الأظهر ، ويجب القضاء في الإفطار بعذر كان أو بغير عذر ، وكان الإفطار بصنعه أو بغير صنعه كالصائمة تطوعا إذا حاضت عليها القضاء في أصح الروايتين ، وفي ( الفتاوي ) : دعي إلى طعام وهو صائم في النفل إن صنع لأجله ، فلا بأس بأن يفطر ، وعن محمد : إن دخل على أخ له فدعاه أفطر ، وقيل : إن تأذى بامتناعه أفطر ، وعن الحسن : أنه لا يفطر إلا بعذر ، وفي ( المنتقى ) : له أن يفطر قيل : تأويله بعذر ، وقيل : قبل الزوال له أن يفطر ، وبعده لا يفطر ، وفي القضاء وصوم الفرض لا يفطر ، وعن محمد : لا بأس به . وإن حلف غيره بطلاق امرأته أن يفطر - قال نصير ، وخلف بن أيوب : لا يفطر ، ودعه يحنث ، وعن محمد : لا بأس بأن يفطر ، وإن كان في قضاء ، وفي ( المحيط ) : إن حلف بطلاق امرأته يفطر في التطوع دون القضاء ، وهو قول أبي الليث ، وفي ( المرغيناني ) : الصحيح من المذهب أن صاحب الدعوة إذا كان رضي بمجرد حضوره لا يفطر ، وقال الحلواني : أحسن ما قيل فيه : إن كان يثق من نفسه بالقضاء يفطر ، وإلا فلا يفطر ، وإن كان فيه أذى لمسلم ، وفي ( المأمونية ) للحسن بن زياد : إذا دعي إلى وليمة فليجب ، ولا يفطر في التطوع ، فإن أقسم عليه أهل الوليمة فأفطر فلا بأس به ، وإن كان يتأذى يفطر ويقضي ، وبعد الزوال لا يفطر إلا إذا كان في تركه عقوق بالوالدين أو بأحدهما .
وفيه مشروعية المؤاخاة في الله . وفيه زيارة الإخوان والمبيت عندهم . وفيه جواز مخاطبة الأجنبية للحاجة .
وفيه السؤال عما تترتب عليه المصلحة ، وإن كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل . وفيه النصح للمسلم ، وتنبيه من كان غافلا . وفيه فضل قيام آخر الليل .
وفيه مشروعية تزيين المرأة لزوجها . وفيه ثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة ، وقد يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء لقوله : ولأهلك عليك حقا . وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل ، وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب .
وفيه أن الوعيد الوارد على من نهى مصليا عن الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلما وعدوانا . وفيه كراهية الحمل على النفس في العبادة . وفيه النوم للتقوي على الصيام .
وفيه النهي عن الغلو في الدين .