باب صيام يوم عاشوراء
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قال : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ ، فَصَامَهُ مُوسَى . قَالَ : فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ . مطابقته للترجمة من حيث إنها في مطلق الصوم يوم عاشوراء ، وهو يتناول كل صوم بيوم عاشوراء على أي وصف كان من الوجوب ، والاستحباب ، والكراهة ، وظاهر حديث ابن عباس يدل على الوجوب ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صام وأمر بصيامه ، ولكن نسخ الوجوب ، وبقي الاستحباب كما ذكرنا ، وقال الطحاوي بعد أن روى هذا الحديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صامه شكرا لله تعالى في إظهار موسى عليه السلام على فرعون ، فذلك على الاختيار لا على الفرض انتهى .
قلت : وفيه بحث لأن لقائل أن يقول : لا نسلم أن ذلك على الاختيار دون الفرض ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بصومه ، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب ، وكونه صامه شكرا لا ينافي كونه للوجوب كما في سجدة ( ص ) ، فإن أصلها للشكر مع أنها واجبة . ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : أبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المنقري المقعد . الثاني : عبد الوارث بن سعيد .
الثالث : أيوب السختياني . الرابع : عبد الله بن سعيد بن جبير . الخامس : سعيد بن جبير .
السادس : عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع . وفيه العنعنة في موضعين .
وفيه أن الرواة الثلاثة الأول بصريون ، والثلاثة الأخر كوفيون . وفيه أن عبد الوارث راوي أبي معمر شيخ البخاري . وفيه أيوب ، عن عبد الله بن سعيد ، ووقع في رواية ابن ماجه من وجه آخر ، عن سعيد بن جبير ، والمحفوظ أنه عن أيوب بواسطة .
ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، وأخرجه مسلم في الصوم أيضا ، عن محمد بن يحيى ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن زياد بن أيوب ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن منصور ، عن سفيان ، وعن إسماعيل بن يعقوب ، وأخرجه ابن ماجه ، عن سهل بن أبي سهل ، عن سفيان . ذكر معناه : قوله ( فرأى اليهود تصوم ) وفي رواية مسلم : فوجد اليهود يصومون . وفي لفظ له : فوجد اليهود صياما .
قوله ( فقال : ما هذا ؟ ) وفي لفظ للبخاري في تفسير طه : فسألهم ، وفي رواية مسلم : فسئلوا عن ذلك ، فقالوا : هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ، ونحن نصومه . قوله ( فصام ) أي النبي عليه السلام تعظيما له . وفي لفظ له قالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله تعالى فيه موسى وقومه ، وغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى عليه الصلاة والسلام شكرا ، فنحن نصومه .
قوله ( فصامه ) أي : النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس معناه أنه صامه ابتداء ؛ لأنه قد علم في حديث آخر أنه كان يصومه قبل قدومه المدينة ، فعلى هذا معناه أنه ثبت على صيامه ، وداوم على ما كان عليه ، قيل : يحتمل أنه كان يصومه بمكة ، ثم ترك صومه ، ثم لما علم ما عند أهل الكتاب فيه صامه ، فإن قيل : ظاهر أن الخبر يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود صياما يوم عاشوراء ، والحال أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الأول ، وأجيب بأن المراد أول علمه بذلك ، وسؤاله عنه بعد أن قدم المدينة لا قبل أن يقدمها ، علم ذلك ، وقيل : في الكلام حذف تقديره قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأقام إلى يوم عاشوراء ، فوجد اليهود فيه صياما ، وقيل : يحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية ، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة . وفيه نظر لا يخفى . قوله ( وأمر بصيامه ) وللبخاري في تفسير يونس من طريق أبي بشر ، فقال لأصحابه : أنتم أحق بموسى منهم ، فصوموا .
فإن قلت : خبر اليهود غير مقبول ، فكيف عمل بخبرهم صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ قلت : لا يلزم أن يكون عمله في ذلك اعتمادا على خبرهم لاحتمال أن الوحي نزل حينئذ على وفق ما حكوا من قصة هذا اليوم ، وقيل : إنما صامه باجتهاده ، وقيل : إنه أخبره من أسلم منهم كعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أو كان المخبرون من اليهود عدد التواتر ، ولا يشترط في التواتر الإسلام قاله الكرماني . وقال القاضي عياض : قد ثبت أن قريشا كانت تصومه ، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصومه ، فلما قدم المدينة صامه ، فلم يحدث له صوم اليهود حكما يحتاج إلى التكلم عليه ، وإنما هي صفة حال وجواب سؤال ، فدل أن قوله في الحديث : فصامه ، ليس ابتداء صومه بذلك حينئذ ، ولو كان هذا لوجب أن يقال : صحح هذا ممن أسلم من علمائهم ، ووثقه ممن هداه من أحبارهم كابن سلام وبني سعيد ، وغيرهم .