باب لا يدخل البيت إلا لحاجة
حدثنا قتيبة قال : حدثنا ليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا . مطابقته للترجمة في قوله : وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة . والحديث أخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة ، ومحمد بن رمح ، وأخرجه أبو داود في الصوم عن القعنبي ، وقتيبة وأخرجه الترمذي فيه ، والنسائي في الاعتكاف جميعا عن قتيبة ثلاثتهم عن الليث ، وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن محمد بن رمح به ولم يذكر قصة الترجيل .
قوله : عن عروة أي : ابن الزبير بن العوام ، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة كذا في رواية الليث جمع بينهما ورواه يونس والأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة وحده ، ورواه مالك عنه ، عن عروة ، عن عمرة وقال أبو داود وغيره : لم يتابع عليه ، وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكا وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري واتفقوا على أن الصواب قول الليث ، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة ، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد ، وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث ، أخرجه النسائي أيضا ، وقال ابن بطال : ولهذه العلة لم يدخل البخاري حديث مالك وإن كان فيه زيادة تفسير لكونه ترجم للحديث بتلك الزيادة إذ كان ذلك عنده معنى الحديث . قوله : وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة وفي رواية مسلم : إلا لحاجة الإنسان وفسرها الزهري بالبول والغائط . وقد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات مثل عيادة المريض وشهود الجمعة والجنازة ، فرآه بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وغيرهم ، وبه قال الثوري ، وابن المبارك ، وقال بعضهم : ليس له أن يفعل شيئا من هذا قال الترمذي : ورأوا أن للمعتكف إذا كان في مصر يجمع فيه أن لا يعتكف إلا في المسجد الجامع ؛ لأنهم كرهوا الخروج من معتكفه إلى الجمعة ولم يروا له أن يترك الجمعة ، وقال أحمد : لا يعود المريض ولا يتبع الجنازة ، وقال إسحاق : إن اشترط ذلك فله أن يتبع الجنازة ويعود المريض .
واختلفوا في حضور مجالس العلم فذهب مالك إلى أن المعتكف لا يشتغل بحضور مجالس العلم ، ولا بغير ذلك من القرب مما لا يتعلق بالاعتكاف كما أن المصلي مشغول بالصلاة عن غيرها من القرب فكذلك المعتكف . وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك بل إلى استحباب الاشتغال بالعلم وحضور مجالس العلم ؛ لأن ذلك من أفضل القرب ، ويجوز له الاشتغال بالصنائع اللائقة بالمسجد كالخياطة والنسخ ونحوهما ، والكلام المباح مع الناس وعن مالك أنه إذا اشتغل بحرفته في المسجد يبطل اعتكافه ، وحكى عن القديم للشافعي وخصصه بعضهم بالاعتكاف المنذور . وفي البدائع يحرم خروجه من معتكفه ليلا أو نهارا إلا لحاجة الإنسان ، ولا يخرج لأكل ولا شرب ولا نوم ولا عيادة مريض ، ولا لصلاة جنازة ، فإن خرج فسد اعتكافه عامدا أو ناسيا بخلاف ما لو أخرج مكرها أو انهدم المسجد فخرج منه فدخل مسجدا آخر استحسانا ، وفي خزانة الأكمل : لو تحول من مسجد إلى مسجد بطل اعتكافه يعني من غير عذر .
وفي النتف : يجوز له أن يتحول إلى مسجد آخر في خمسة أشياء : أحدها : أن ينهدم مسجده . الثاني : أن يتفرق أهله فلا يجتمعوا فيه . الثالث : أن يخرجه منه سلطان .
الرابع : أن يأخذه ظالم . الخامس : أن يخاف على نفسه وماله من المكابرين . وعند الشافعي : خروجه من المسجد مبطل ، وفي الناسي : لا يبطل على الأصح ، وعند الشافعي : يخرج إلى بيته للأكل والشرب ، ومنعه ابن سريج وابن سلمة كقولنا ، وكذا له الخروج إلى بيته ليشرب الماء إذا لم يجده في المسجد ، وإن وجده فخرج فوجهان أصحهما المنع .
وقال النووي في شرح المهذب في الاعتكاف الواجب : لا يعود مريضا ، ولا يخرج لجنازة سواء تعينت عليه أم لا في الصحيح ، وفي التطوع يجوز لعيادة المريض وصلاة الجنائز ، قال صاحب الشامل : هذا يخالف السنة ، فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا يخرج من الاعتكاف لعيادة المريض وكان اعتكافه نفلا لا نذرا ، وإن تعين عليه أداء الشهادة وخرج له يبطل اعتكافه ، وفي الذخيرة للمالكية يؤديها في المسجد ولا يخرج ، وقالت الشافعية : المسألة على أربعة أحوال : الأول أن لا يتعين عليه التحمل ولا الأداء . الثاني : أن يتعين عليه التحمل دون الأداء فيبطل فيهما . والثالث : أن يتعين عليه الأداء دون التحمل فيبطل على المذهب .
والرابع : أن يتعين عليه التحمل والأداء فالمذهب أنه لا يبطل .