باب ما يتنزه من الشبهات
حدثنا قبيصة قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن طلحة ، عن أنس رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة مسقطة فقال : لولا أن تكون صدقة لأكلتها . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه التنزه عن الشبهة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتنزه من أكل مثل هذه التمرة الساقطة لأجل الشبهة ، وهو احتمال كونها من الصدقة . ورجاله خمسة : قبيصة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة ابن عقبة بن عامر السوائي العامري الكوفي ، وسفيان الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وطلحة هو ابن مصرف على وزن اسم الفاعل من التصريف اليامي بالياء آخر الحروف الكوفي ، كان يقال له سيد القراء ، مات سنة ثنتي عشرة ومائة ، وأخرجه البخاري أيضا في المظالم عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي كريب ، وأخرجه النسائي في اللقطة عن محمود بن غيلان .
قوله : مسقطة على صيغة المفعول من الإسقاط ، والقياس أن يقال ساقطة لكنه قد يجعل اللازم كالمتعدي بتأويل كقراءة من قرأ فعموا وصموا بلفظ المجهول ، وقال التيمي : هو كلمة غريبة ؛ لأن المشهور إن سقط لازم على أن العرب قد تذكر الفاعل بلفظ المفعول ، وبالعكس إذا كان المعنى مفهوما ، ويجوز أن يقال جاء سقط متعديا أيضا بدليل قوله تعالى : سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وقال الخطابي : يأتي المفعول بمعنى الفاعل كقوله تعالى: كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أي : أتيا ، وقال المهلب : إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل التمرة تنزها عنها لجواز أن تكون من تمر الصدقة وليس على غيره بواجب أن يتبع الجوازات ؛ لأن الأشياء مباحة حتى يقوم الدليل على الحظر ، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره ولا يدرى أحلال هو أم حرام ، واحتمل المعنيين ولا دليل على أحدهما ، ولا يجوز أن يحكم على من أخذ مثل ذلك أنه أخذ حراما لاحتمال أن يكون حلالا ، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدي بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل في التمرة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد : البر ما اطمأنت إليه نفسك والإثم ما حاك في الصدر وقال أبو عمر : لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدور ، وقال أبو الحسن القابسي : إن قال قائل : إذا وجد التمرة في بيته فقد بلغت محلها ، وليست من الصدقة ، قيل له : يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله ، فربما علقت تلك التمرة بثوبه فسقطت على فراشه فصارت شبهة انتهى . وقيل : في هذا الحديث تحريم قليل الصدقة وكثيرها على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح في مثله ، وأما التمرة واللبابة من الخبز أو التينة أو الزبيبة وما أشبهها ، فقد أجمعوا على أخذها ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها استدلالا بقوله : لأكلتها وأنها مخالفة لحكم اللقطة ، وقال الخطابي : وفيه أنه لا يجب على آخذها التصدق بها ؛ لأنه لو كان سبيلها التصدق لم يقل لأكلتها ، وفي المدونة : يتصدق بالطعام تافها كان أو غير تافه أعجب إلي إذا خشي عليه بالفساد بوطء أو شبهة ، وعن مطرف : إذا أكله غرمه وإن كان تافها ، وهذا الحديث حجة عليه قال : وإن تصدق به فلا شيء عليه . وقال همام : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أجد تمرة ساقطة على فراشي .
همام على وزن فعال بالتشديد هو ابن منبه بن كامل يكنى أبا عتبة الأنباري الصنعاني أخو وهب بن منبه ، وهذا التعليق ذكره البخاري مسندا في كتاب اللقطة عن محمد بن مقاتل ، أنبأنا عبد الله ، أنبأنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة يرفعه : إني لأنقلب إلى أهلي فأجد تمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها . قوله : أجد ذكر بلفظ المضارع استحضارا للصورة الماضية ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما تعلقه بهذا الباب ؟ قلت : تمام الحديث غير مذكور وهو : لولا أن تكون صدقة لأكلتها ، ارتاب صلى الله عليه وسلم في تلك التمرة فتركها تنزها انتهى ، قلت : لم يقف الكرماني على تمام الحديث في اللقطة ولو وقف لما احتاج إلى هذا التكلف ولا ذكر بقية الحديث على غير ما هي في رواية البخاري .