باب يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم
( باب يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ أي هذا باب يذكر فيه قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ الآية . ويمحق من محق يمحق محقا ، من باب فعل يفعل بفتح العين فيهما ، والمحق النقصان وذهاب البركة . وقيل : هو أن يذهب كله ، حتى لا يرى منه أثر ، ومنه : يمحق الله الربا أي يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه .
وفي تفسير الطبري ، " عن ابن مسعود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : الربا وإن كثر فإلى قل " ، وقال المهلب : سئل بعض العلماء وقيل : نحن نرى صاحب الربا يربو ماله ، وصاحب الصدقة إنما كان مقلا ؟ فقال : يربي الصدقات ، يعني أن صاحبها يجدها مثل أحد يوم القيامة ، وصاحب الربا يجد عمله ممحوقا إن تصدق به ، أو وصل رحمه ؛ لأنه لم يكتب له بذلك حسنة ، وكان عليه إثم الربا ، وقال ابن بطال : وقالت طائفة : إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ ، وقال عبد الرزاق ، عن معمر أنه قال : سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق . قوله : " وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ أي يزيدها ؛ من الإرباء ، قال الطبري : الإرباء الزيادة على الشيء ، يقال : منه أربى فلان على فلان إذا زاد عليه ، وقرئ : وَيُرَبِّي بضم الياء وفتح الراء وكسر الباء المشددة ؛ من التربية ، كما في الصحيح " من تصدق بعدل تمرة " الحديث . وفيه : " ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه ، حتى يكون مثل الجبل " ،
وفي رواية ج١١ / ص٢٠٥ابن جرير " وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله - أو قال في كف الله - حتى يكون مثل أحد فتصدقوا " وهكذا رواه أحمد أيضا ، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد ، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم .
قوله : " وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ " أي لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل ، ومناسبة ختم هذه الآية بهذه الصفة هي أن المرابي لا يرضى بما أعطاه الله من الحلال ، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح ، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة ، فهو جحود لما عليه من النعمة ، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل ، وقال الطبري : والله لا يحب كل مصر على كفر مقيم عليه مستحل أكل الربا . 39- حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن يونس ، عن ابن شهاب قال ابن شهاب قال ابن المسيب : إن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة . مطابقته للترجمة من حيث إنه كالتفسير لها ؛ لأن الربا الزيادة ، والمحق النقص ، فيقال : كيف تجتمع الزيادة والنقص ؟ فأوضح الحديث أن الحلف الكاذب وإن زاد في المال ، فإنه يمحق البركة ، فكذلك قوله تعالى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا أي يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا ، وإن كان العدد زائدا ، لكن محق البركة يفضي إلى اضمحلال العدد في الدنيا كما في حديث ابن مسعود ، رواه ابن ماجه وأحمد ، وقد ذكرناه عن قريب ، وقال الكرماني : وجه تعلق الحديث بالترجمة هو أن المقصود أن طلب المال بالمعصية مذهب للبركة مآلا ، وإن كان محصلا له حالا .
( قلت ) : هذا وجه بعيد ؛ لأن طلب المال بالمعصية هو طلبه بالربا ، والحديث في الحلف كاذبا ، فمن أين تأتي المناسبة بهذا الوجه ؟ والوجه ما ذكرناه . ويحيى بن بكير بضم الباء الموحدة هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري ، والليث بن سعد المصري ، ويونس بن يزيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري المدني ، وابن المسيب هو سعيد بن المسيب بن حزن ، كان ختن أبي هريرة على ما أبنته ، وأعلم الناس بحديث أبي هريرة ، والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن زهير بن حرب ، وعن أبي الطاهر بن السرح ، وحرملة بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن ابن السرح ، وعن أحمد بن صالح ، وأخرجه النسائي فيه عن ابن السرح به . قوله : " الحلف " بفتح الحاء المهملة وكسر اللام ، وعن ابن فارس بسكون اللام أيضا ، وأراد به اليمين الكاذبة ، قوله : " منفقة " بفتح الميم وسكون النون وفتح الفاء والقاف ، على وزن مفعلة بلفظ اسم المكان ، من نفق المبيع إذا راج ، ضد كسد ، قوله : " ممحقة " كذلك ، بفتح الميم ، من المحق ، وقد مر تفسيره عن قريب ، وقال ابن التين : كلاهما بفتح الميم .
( قلت ) : كلاهما بلفظ اسم المكان للمبالغة ، وهما في الأصل مصدران ميميان ، والمصدر الميمي يأتي للمبالغة ، ويروى كلاهما بصيغة اسم الفاعل يعني بضم الميم فيهما ، وكسر الحاء في ممحقة ، والفاء في منفقة . ( فإن قلت ) : الحلف مبتدأ ، ومنفقة خبره ، والمطابقة بين المبتدأ والخبر شرط في التذكير والتأنيث ؟ ( قلت ) : التاء في منفقة وممحقة ليست للتأنيث بل هي للمبالغة ، وقوله ممحقة خبر بعد خبر .