حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يكره من الخداع في البيع

( باب ما يكره من الخداع في البيع )

68 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن عبد الله ابن دينار ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا ذكر للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يخدع في البيوع ، فقال : إذا بايعت فقل : لا خلابة .

مطابقته للترجمة من حيث إن الخداع لو لم يكن مكروها لما قال - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذلك المخدوع : إذا بايعت فقل : لا خلابة ، أي لا خديعة على ما يجيء تفسيرها كما ينبغي عن قريب . والحديث أخرجه البخاري أيضا في تلك الحيل ، عن إسماعيل . وأخرجه أبو داود في البيوع ، عن القعنبي .

وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة . ( ذكر معناه ) : قوله : " إن رجلا " هو حبان بن منقذ بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ، ومنقذ اسم فاعل من الإنقاذ ، وهو التخليص ، الصحابي ابن الصحابي الأنصاري المازني ، شهد أحدا وما بعدها ، ومات في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقد شج في بعض مغازيه مع النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحجر ببعض الحصون ، فأصابته في رأسه مأمومة ، فتغير بها لسانه وعقله ، لكنه لم يخرج عن التمييز . وروى الدارقطني من حديث ابن إسحاق عن نافع ، عن ابن عمر أن رجلا من الأنصار كانت بلسانه لوثة ، وكان لا يزال يغبن في البيوع ، فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - ، فقال : إذا بعت فقل : لا خلابة مرتين ، وقال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال : هو جدي منقذ بن عمرو ، وكان رجلا قد أصابته آمة في رأسه ، فكسرت لسانه ونازعته عقله ، وكان لا يدع التجارة ، وكان لا يزال يغبن .

وفيه : وكان عُمِّر عمرا طويلا ، عاش ثلاثين ومائة سنة ، وفي لفظ عن ابن عمر : كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا ، وكان قد سقع في رأسه مأمومة فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له الخيار فيما يشتري ثلاثا ، وكان قد ثقل لسانه ، فكنت أسمعه يقول : لا حذابة لا حذابة ، وقال الدارقطني : وكان ضرير البصر . وفي الطبراني : لما عمي قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك ، وقال ابن قرقول : إن هذا الرجل كان ألثغ ، ولا يعطيه لسانه إخراج الكلام ، وكان ينطق " يا " باثنتين من تحت ، أو ذالا معجمة . قوله : " ذكر للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " .

وفي رواية إبن إسحاق " فشكى إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يلقى من الغبن " . قوله : " لا خلابة " بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام ، أي لا خديعة ، يقال : خلبه يخلبه خلبا وخلابة وخالبة ، ورجل خالب وخلاب وخلبوت وخلبوب : خداع ، الأخيرة عن كراع يعني خلبوب بالبائين الموحدتين ، وقال الجوهري : خداع كذاب ، وامرأة خلبوت على مثال جبروت ، وخلوب وخالبة وخلابة ، وفي ( المنتهى ) الخلب القطع والخديعة باللسان ، خلبه يخلبه من باب نصره ينصره ، وخلبه يخلبه من باب ضربه يضربه ، واختلبه اختلابا ، والخلوب الخادع ، والخلابة الخداعة من النساء . وعن أبي جعفر ، عن بعض شيوخه " لا خيانة " بالنون ، وهو تصحيف .

( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : مذهب الحنفية والشافعية على أن العين غير لازم ، فلا خيار للمغبون ، سواء قل الغبن أو كثر ، وهو الأصح من روايتي مالك ، وقال البغداديون من أصحابه : للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث ج١١ / ص٢٣٤القيمة ، وإن كان دونه فلا ، هكذا حده أبو بكر وابن أبي موسى من الحنابلة . وقيل : السدس . وعن داود العقد باطل .

وعن مالك إن كانا عارفين بتلك السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع ، كثيرا كان الغبن أو قليلا ، فإن كان أحدهما غير عارف بذلك فسخ البيع ، إلا أن يريد أن يمضيه ، ولم يحد مالك حدا ، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور . وأجاب الحنفية والشافعية وجمهور العلماء عن الحديث بأنها واقعة عين وحكاية حال ، وقال ابن العربي : ينبغي أن يقال : إنه كله مخصوص بصاحبه لا يتعدى إلى غيره ، فإن كان يخدع في البيوع فيحتمل أن الخديعة كانت في العيب أو في العين أو في الكذب أو في الغبن في الثمن ، وليست قضية عامة فتحمل على العموم ، وإنما هي خاصة في عين وحكاية حال ، فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد ، ثم أورد ابن العربي على نفسه قول عمر رضي الله تعالى عنه فيما رواه الدارقطني من طريق ابن أبي لهيعة : حدثنا حبان بن واسع ، عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم في البيوع ، فقال : ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحبان بن منقذ . فذكر الحديث ، فلم يجعل عمر خاصا به ، ثم أجاب عنه بضعف الحديث من أجل ابن لهيعة .

انتهى . وقال الجمهور أيضا : لو كان الغبن مثبتا للخيار لما احتاج إلى اشتراط الخيار كما رواه البيهقي والدارقطني في بعض طرق الحديث : أنه اشترط الخيار ثلاثا ، ولا احتاج أيضا إلى قوله : " لا خلابة " . الثاني : استدل به الشافعي وأحمد وإسحاق رضي الله تعالى عنهم على حجر السفيه الذي لا يحسن التصرف ، ووجه ذلك أنه لما طلب أهله إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحجر عليه دعاه ، فنهاه عن البيع ، وهذا هو الحجر ، وهو المنع .

قلنا : هذا نهي خاص به لضعف عقله ، ولا يسري هذا في الحجر على الحر العاقل البالغ ؛ لأن في حقه إهدار الآدمية ، وقد روى الترمذي من حديث أنس أن رجلا كان في عقدته ضعف ، وكان يبايع ، وإن أهله أتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقالوا : يا رسول الله ، احجر عليه ، فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنهاه ، قال : يا رسول الله ، إني لا أصبر عن البيع ، فقال : إذا بايعت فقل : ها ولا خلابة . ورواه بقية أصحاب السنن ، وقال النووي : هذا الرجل المبهم هو حبان بن منقذ ، وقال ابن العربي : هو منقذ بن عمرو ، والأول أرجح . قوله : " في عقدته ضعف " أراد ضعف العقل ، وعقدة الرجل ما عقد عليه ضميره ونيته ، أي عزم عليه ونواه .

الثالث : استدل به أبو حنيفة إلى أن ضعيف العقل لا يحجر عليه ؛ لأنه لما قال له : إنه لا يصبر على البيع أذن له فيه بالصفة التي ذكرها ، فهذا دال على عدم الحجر . الرابع : استدل به ابن حزم على أنه يتعين في اللفظ الموجب للخيار ذكر الخلابة دون غيره من الألفاظ ، فلو كان لا خديعة أو غش أو لا كيد أو لا مكر أو لا عيب أو لا ضرر أو لا داء أو لا غائلة أو لا خبث أو على السلامة ، أو نحو هذا - لم يكن له الخيار المجعول لمن قال لا خلابة ، إلا أن يكون في لسانه خلل يعجز عن اللفظ بها ، فيكفي أن يأتي بما يقدر عليه من هذا للفظ ، كما كان يفعل هذا الرجل المذكور من قوله : " لا خيابة " بالياء آخر الحروف أو " لا خذابة " بالذال على اختلاف الروايتين ، وكذلك إن لم يكن يحسن العربية ، فقال معناها باللسان الذي يحسنه ؛ فإنه يثبت له الخيار ، وقال بعضهم : ومن أسهل ما يرد به عليه أنه ثبت في صحيح مسلم أنه كان يقول لا خيابة بالتحتانية بدل اللام وبالذال المعجمة بدل اللام أيضا ، وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه ، ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعله بالخيار ، فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى . انتهى .

( قلت ) : هذا عجيب ، وكيف يكون هذا أسهل ما يرد به عليه ، وهو قائل بما ذكره هذا القائل عند العجز ، وكلامه عند القدرة ؟ الخامس : قال بعضهم : استدل به على أن أمد خيار الشرط ثلاثة أيام من غير زيادة ؛ لأنه حكم ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه ، ويؤيده جعل الخيار في المصراة ثلاثة أيام واعتبار الثلاث في غير موضع . انتهى . قلت : هذا الباب فيه اختلاف الفقهاء ، فقالت طائفة : البيع بشرط الخيار جائز ، والشرط لازم إلى الأمد الذي اشترط إليه الخيار ، وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وابن المنذر ، وقال الليث : يجوز الخيار إلى ثلاثة أيام فأقل ، وقال عبيد الله بن الحسن : لا يعجبني شرط الخيار الطويل ، إلا أن الخيار للمشتري ما رضي البائع ، وقال ابن شبرمة والثوري : لا يجوز البيع إذا شرط فيه الخيار للبائع أو لهما ، وقال سفيان : البيع فاسد بذلك ؛ فإن شرط الخيار للمشتري عشرة أيام أو أكثر جاز ، وقال مالك : يجوز شرط الخيار في بيع الثوب اليوم واليومين ، والجارية إلى خمسة أيام ، والجمعة ، والدابة تركب ج١١ / ص٢٣٥اليوم وشبهه ، ويسار عليها البريد ونحوه ، وفي الدار الشهر ليختبر ويشاور فيها ، ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشتري .

وقال الأوزاعي : يجوز أن يشترط شهرا أو أكثر ، وقال أبو حنيفة والشافعي وزفر : الخيار في البيع ثلاثة أيام ، ولا يجوز الزيادة عليها ، فإن زاد فسد البيع ، وروي أيضا عن ابن شبرمة ، وفي ( شرح المهذب ) : ويجوز شرط خيار ثلاثة أيام في البيوع التي لا ربا فيها ، فأما البيوع التي فيها ربا ، وهي الصرف وبيع الطعام بالطعام ، فلا يجوز فيها شرط الخيار ؛ فإنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام البيع ،

وروى ابن ماجه بسند جيد حسن من حديث يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني نافع " عن ابن عمر قال : سمعت رجلا من الأنصار يشكو إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يغبن في البيوع ، فقال : إذا بايعت فقل : لا خلابة ، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال " ولما رواه البخاري في ( تاريخه ) بسند صحيح إلى ابن إسحاق ، جعله عن منقذ بن عمرو
، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) حدثنا عباد بن العوام ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان قال : " قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمنقذ بن عمرو : قل : لا خلابة ، إذا بعت بيعا فأنت بالخيار ثلاثا "
وروى عبد الرزاق في ( مصنفه ) من حديث أبان بن أبي عياش " عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا اشترى من رجل بعيرا واشترط عليه الخيار أربعة أيام ، فأبطل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البيع ، وقال : الخيار ثلاثة أيام " وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة عبد الرزاق ، وأعله بابن أبي عياش ، وقال : إنه لا يحتج بحديثه مع أنه كان رجلا صالحا
،
وروى الدارقطني في سننه ، عن أحمد بن عبد الله بن ميسرة حدثنا أبو علقمة حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الخيار ثلاثة أيام " وأحمد بن عبد الله بن ميسرة إن كان هو الحراني فهو متروك
، وقال ابن حيان : ثم التقدير بالثلاث خرج مخرج الغالب ؛ لأن النظر يحصل فيها غالبا ، وهذا لا يمنع من الزيادة عند الحاجة كما قدرت حجارة الاستنجاء بالثلاث ، ثم تجب الزيادة عند الحاجة ، والله أعلم .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث