حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما ذكر في الأسواق

( باب ما ذكر في الأسواق )

وقال عبد الرحمن بن عوف : لما قدمنا المدينة قلت: هل من سوق فيه تجارة ؟ قال : سوق قينقاع . مطابقته للترجمة في قوله : " سوق بني قينقاع " وهذا قطعة من حديث أنس أخرجه موصولا قال : لما قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة ، الحديث ، وقد ذكره في أول كتاب البيوع ومر الكلام فيه مستوفى ، وقال ابن بطال : أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء .

( فإن قلت ) :

روى أحمد والبزاز والحاكم وصححه من حديث جبير بن مطعم " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : أحب البقاع إلى الله تعالى المساجد ، وأبغض البقاع إلى الله تعالى الأسواق
" . وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر نحوه . ( قلت ) : هذا لم يثبت على شرطه من أنها شر البقاع ، فكأنه أشار بهذه الترجمة إلى هذا ، ولكن لا يعلم إلا من الخارج ، وقال ابن بطال : وهذا أخرج على الغالب ، والأقرب : سوقٌ يُذكر الله فيها أكثر من كثير من المساجد .

وقال أنس : قال عبد الرحمن : دلوني على السوق .

وقال عمر : ألهاني الصفق بالأسواق .

69 - حدثنا محمد بن الصباح قال : حدثنا إسماعيل بن زكرياء ، عن محمد بن سوقة ، عن نافع بن جبير بن مطعم قال : حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يغزو جيشٌ الكعبةَ ج١١ / ص٢٣٦فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم ، قالت : قلت : يا رسول الله ، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ قال : يخسف بأولهم وآخرهم ، ثم يبعثون على نياتهم . مطابقته للترجمة في قوله : " وفيهم أسواقهم " حيث ذكر هذا اللفظ في الحديث .

( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : محمد بن الصباح بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة قد مر في باب من استوى قاعدا في صلاته . الثاني : إسماعيل بن زكريا ، أبو زياد الأسدي مولاهم الخلقاني ، قال البخاري : جاء نعيه إلى أهله سنة أربع وسبعين ومائة . الثالث : محمد بن سوقة بضم السين المهملة وسكون الواو وبالقاف أبو بكر الغنوي ، مر في كتاب العيد .

الرابع : نافع بن جبير - مصغر الجبر ضد الكسر - ابن مطعم بلفظ اسم الفاعل من الإطعام ، مر في باب الرجل يوصي صاحبه . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع .

وفيه العنعنة في موضعين . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن شيخه بغدادي أصله هروي نزل بغداد ، وأن إسماعيل ومحمد بن سوقة كوفيان ، وأن نافعًا مدني .

وفيه رواية التابعي عن التابعي ، عن الصحابية ؛ فإن محمد بن سوقة من صغارالتابعين ، وكان ثقة عابدا صالحا ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر تقدم في العيدين . وفيه أن نافعا هذا ليس له في البخاري ، عن عائشة سوى هذا الحديث . ووقع في رواية محمد بن بكار ، عن إسماعيل بن زكريا ، عن محمد بن سوقة سمعت نافع بن جبير .

أخرجه الإسماعيلي . وفيه حدثتني عائشة ، هكذا قال إسماعيل بن زكريا ، عن محمد بن سوقة وخالفه سفيان بن عيينة ، فقال : عن محمد بن سوقة ، عن نافع بن جبير ، عن أم سلمة أخرجه الترمذي ويحتمل أن يكون نافع بن جبير سمعه منهما ؛ فإن روايته عن عائشة أتم من روايته عن أم سلمة . وأخرجه مسلم من وجه آخر ، عن عائشة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يونس بن محمد حدثنا القاسم بن الفضل الحراني ، عن محمد بن زياد " عن عبد الله بن الزبير أن عائشة قالت : عبث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في منامه ، فقلنا : يا رسول الله ، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : العجب أن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت ، حتى إذا كان بالبيداء خسف بهم ، فقلنا : يا رسول الله ، إن الطريق قد يجمع الناس ، قال : نعم ، فيهم المستبصر والمخبور وابن السبيل ، يهلكون مهلكا واحدا ، ويصدرون مصادر شتى ؛ يبعثهم الله على نياتهم " .

( ذكر معناه ) : قوله : " يغزو جيش الكعبة " أي يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة . قوله : " ببيداء من الأرض " وفي رواية مسلم " بالبيداء " وفي رواية لمسلم ، عن أبي جعفر الباقر قال : " هي بيداء المدينة " . وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ممدودة ، وهي في الأصل المفازة التي لا شيء فيها ، وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة .

قوله : " يخسف بأولهم وآخرهم " وزاد الترمذي في حديث صفية " ولم ينج أوسطهم " وفي مسلم أيضا في حديث حفصة " فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم " . قوله : " وفيهم أسواقهم " جملة حالية ، وهو جمع سوق ، والتقدير أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون كما في المدن ، وفي ( مستخرج ) أبي نعيم " وفيهم أشرافهم " بالشين المعجمة ، والراء والفاء . وفي رواية محمد بن بكار عند الإسماعيلي " وفيه سواهم " وقال : وقع في رواية البخاري " وفيهم أسواقهم " وليس هذا الحرف في حديثنا ، وأظن أن أسواقهم تصحيف ؛ فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق ، وقال بعضهم : بل لفظ سواهم تصحيف ؛ فإنه بمعنى قوله : ومن ليس منهم ، فيلزم منه التكرار ، بخلاف رواية البخاري رضي الله تعالى عنه ، نعم ، أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم .

انتهى . ( قلت ) : لا نسلم لزوم التكرار ؛ لأن معنى أسواقهم أهل أسواقهم كما ذكرنا ، والمراد بقوله ومن ليس منهم الضعفاء والأسارى الذين لا يقصدون التخريب ، ولا نسلم أيضا أن أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم ؛ لأن أشرافهم هم عظماء الجيش الذي يقصدون التخريب ، ورواية البخاري على حالها صحيحة على التفسير الذي ذكرنا ، وقوله : بل لفظ سواهم تصحيف - غير صحيح ؛ لأن معناه وفي الجيش الذين يقصدون التخريب سواهم ممن لا يقصد ولا يقدر . قوله : " قال : يخسف بأولهم وآخرهم " أي قال عليه الصلاة والسلام في جواب عائشة : يخسف بأولهم وآخرهم ، يعني كلهم ، هذا الذي يفهم منه بحسب العرف ، قال الكرماني : لم يعلم ج١١ / ص٢٣٧منه العموم ؛ إذ حكم الوسط غير مذكور ، والجواب ما قلنا ، أو نقول : إن الوسط آخر بالنسبة إلى الأول ، وأول بالنسبة إلى الآخر ، على أنا قد ذكرنا الآن أن في رواية صفية " ولم ينج أوسطهم " وهذا يغني عن تكلف الجواب .

قوله : " ثم يبعثون على نياتهم " أي يخسف بالكل لشؤم الأشرار ، ثم إنه تعالى يبعث لكل منهم في الحشر بحسب قصده ؛ إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ( ذكر ما يستفاد منه ) : يستفاد منه قطعا قصد هذا الجيش تخريب الكعبة ، ثم خسفهم بالبيداء وعدم وصولهم إلى الكعبة لإخبار لمخبر الصادق بذلك ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة ، فينتقم منهم ، فيخسف بهم . رد عليه بوجهين ، أحدهما : أن في بعض طرق الحديث عند مسلم " أن ناسا من أمتي " والذين يهدمونها من كفار الحبشة .

والآخر : أن مقتضى كلامه يخسف بهم بعد الهدم ، وليس كذلك ، بل خسفهم قبل الوصول إلى مكة ، فضلا عن هدمها . ومما يستفاد منه أن من كثر سواد قوم في معصية وفتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك . ومن ذلك أن مالكا استنبط من هذا أن من وجد مع قوم يشربون الخمر ، وهو لا يشرب أنه يعاقب .

واعترض عليه بعضهم بأن العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية ، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية . وفيه نظر ؛ لأن العقوبات الشرعية أيضا بالأمور السماوية . ومن ذلك أن الأعمال تعتبر بنية العامل ، والشارع أيضا قال : " ولكل امرئ ما نوى " .

ومن ذلك وجوب التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم ، إلا لمن اضطر . ( فإن قلت ) : ما تقول في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة ، هل هي إعانة لهم على ظلمهم أو هي من ضرورات البشرية ؟ ( قلت ) : ظاهر الحديث يدل على الثاني ، والله أعلم . ( فإن قلت ) : ما ذنب من أكره على الخروج أو من جمعه وإياهم الطريق ؟ ( قلت ) : إن عائشة لما سألت وأم سلمة أيضا سألت " قالت : فقلت : يا رسول الله ، فكيف بمن كان كارها ؟ " رواه مسلم ، أجاب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله : " يبعثون على نياتهم " بها ، فماتوا حين حضرت آجالهم ، ويبعثون على نياتهم .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث