باب ما ذكر في الأسواق
حدثنا آدم بن أبي إياس قال : حدثنا شعبة ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السوق ، فقال رجل : يا أبا القاسم ، فالتفت إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال : إنما دعوت هذا ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي . مطابقته للترجمة في قوله : في السوق . وأخرجه البخاري أيضا في صفة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عن حفص بن عمر ، وروى عن جماعة من الصحابة في هذا الباب ، منهم علي رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه أبو داود : حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا : حدثنا أبو أسامة ، عن فطر بن خليفة ، عن المنذر ، عن محمد بن الحنفية قال : قال علي رضي الله تعالى عنه : قلت : يا رسول الله ، إن ولد لي بعدك ولد ، أؤسميه باسمك وأكنيه بكنيتك ؟ قال : نعم ولم يقل أبو بكر : قال علي للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - .
وأخرجه الترمذي ، عن ابن بشار ، عن يحيى بن سعيد ، عن فطر بن خليفة إلى آخره نحوه ، وقال : حديث صحيح . وأخرجه الطحاوي حدثنا أبو أمية قال : حدثنا علي بن قادم قال : حدثنا فطر ، عن المنذر الثوري ، عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قلت : يا رسول الله ، إن ولد لي ابن أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك ؟ قال : نعم ، وكانت رخصة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي رضي الله تعالى عنه ثم قال الطحاوي : فذهب قوم إلى أنه لا بأس بأن تكنى الرجال بأبي القاسم ، وأن يتسمى مع ذلك بمحمد واحتجوا في ذلك بهذا الحديث . قلت : أراد بالقوم هؤلاء محمد بن الحنفية ومالكا وأحمد في رواية ؛ فإنهم قالوا : لا بأس للرجل أن يجمع بين التكني بأبي القاسم ، والتسمي بمحمد ، وهو مذهب الجمهور .
وأجيب عن حديث الباب بأجوبة : الأول : أنه منسوخ ، والثاني : أنه نهي تنزيه ، والثالث : أن النهي عن التكني بأبي القاسم يختص بمن اسمه محمد أو أحمد ، ولا بأس بها لمن لم يكن اسمه ذلك . وقال الطحاوي : وكان في زمن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جماعة قد كانوا متسمين بمحمد مكتنين بأبي القاسم ، منهم محمد بن طلحة ومحمد بن الأشعث ومحمد بن أبي حذيفة . ( قلت ) : محمد بن طلحة هو محمد بن طلحة بن عبد الله ، وذكره ابن الأثير في الصحابة ، وقال : حمله أبوه إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمسح رأسه وسماه محمدا ، وكان يكنى أبا القاسم ، وكان محمد هذا يلقب بالسجاد ؛ لكثرة صلاته وشدة اجتهاده في العبادة ، قتل يوم الجمل مع أبيه سنة ست وثلاثين ، وكان هواه مع علي رضي الله عنه ، إلا أنه أطاع أباه ، فلما رآه علي قال : هذا السجاد قتله بر أبيه .
ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، قيل : إنه ولد على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال أبو نعيم : لا تصح له صحبة ، وروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها . ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي ، كنيته أبو القاسم ، ولد بأرض الحبشة على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان ، ولما قتل أبوه أبو حذيفة أخذه عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وكفله إلى أن كبر ، ثم سار إلى مصر ، فصار من أشد الناس على عثمان ، وقال أبو نعيم : هو أحد من دخل على عثمان حين حوصر فقتل ، ولما استولى معاوية على مصر أخذه وحبسه ، فهرب من السجن ، فظفر به رشد بن مولى معاوية ، فقتله . ( قلت ) : ومن جملة من تسمى بمحمد وتكنى بأبي القاسم من أبناء وجوه الصحابة : محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن سعيد بن أبي وقاص ومحمد بن حاطب ومحمد بن المنتشر ، ذكرهم البيهقي في ( سننه ) في باب من رخص في الجمع بين التسمي بمحمد والتكني بأبي القاسم ، وقال محمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والشافعي : لا ينبغي لأحد أن يتكنى بأبي القاسم ؛ كان اسمه محمدا أو لم يكن .
وفي ( التوضيح ) : ومذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحد أصلا سواء كان اسمه محمدا أو أحمد أم لم يكن ؛ لظاهر الحديث - أي حديث الباب ، وهو حديث أنس المذكور - . وقال أحمد وطائفة من الظاهرية : لا ينبغي لأحد اسمه محمد أن يتكنى بأبي القاسم ، ولا بأس لمن لم يكن اسمه محمدا أن يكنى بأبي القاسم ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : تسموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي . ورواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه بأسانيد مختلفة وألفاظ متغايرة ، وروى الطحاوي أيضا من حديث جابر نحوه .
وأخرجه ابن ماجه أيضا ، وروى محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة يرفعه لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي ، أنا أبو القاسم ؛ الله يعطي ، وأنا أقسم وروى مسلم عن عبد الرحمن ، عن أبي زرعة عنه من تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي ، ومن تكن بكنيتي فلا يتسم باسمي وروى ابن أبي ليلى من حديث أم حفصة بنت عبيد ، عن عمها البراء بن عازب من تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي وفي لفظ لا تجمعوا بين كنيتي واسمي . قوله : سموا أمر من سمى يسمي تسمية . قوله : ولا تكنوا قال ابن التين : ضبط في أكثر الكتب بفتح التاء وضم النون المشددة ، وفي بعضها بضم التاء والنون ، وفي بعضها بفتح التاء والنون مشددة مفتوحة على حذف إحدى التاءين .
( قلت ) : لأن أصله لا تتكنوا .