باب ما ذكر في الأسواق
- حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا أبو ضمرة قال : حدثنا موسى ، عن نافع قال : حدثنا ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه ، حتى ينقلوه حيث يباع الطعام . قال : وحدثنا ابن عمر رضي الله عنهما قال : نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يباع الطعام إذا اشتراه ، حتى يستوفيه . قيل ليس لذكر هذا الحديث هاهنا وجه ( قلت ) : يمكن أن يؤخذ وجه المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة من لفظ الركبان ؛ لأن الشراء منهم يكون باستقبال الناس إياهم في موضع ، وهذا الموضع يطلق عليه السوق ؛ لأن السوق في اللغة موضع البياعات ، وهذا - وإن كان فيه نوع تعسف - فيستأنس به في وجه المطابقة ، فافهم .
وإبراهيم بن المنذر - على لفظ اسم الفاعل من الإنذار - أبو إسحاق الحزامي المدني ، وهو من أفراد البخاري . وأبو ضمرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء اسمه أنس بن عياض ، وقد مر في باب التبرز في البيوت . وموسى بن عقبة - بالقاف - ابن أبي عياش المدني مولى الزبير بن العوام مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، والإسناد كله مدنيون ، والحديث المذكور من أفراده ، وحديث بيع الطعام قبل القبض أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بأسانيد مختلفة وألفاظ متباينة .
قوله : من الركبان وهم الجماعة من أصحاب الإبل في السفر ، وهو جمع راكب ، وهو في الأصل يطلق على راكب الإبل خاصة ، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة . قوله : على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أي على زمنه . قوله : فيبعث أي النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قوله : من يمنعهم في محل النصب ؛ لأنه مفعول يبعث . قوله : أن يبيعوه أي بأن يبيعوه فكلمة أن مصدرية ، أي من البيع في مكان اشتروه ، حتى ينقلوه ويبيعوه حيث يباع الطعام في الأسواق ؛ لأن القبض شرط ، وبالنقل المذكور يحصل القبض ، ووجه نهيه عن بيع ما يشترى من الركبان - إلا بعد التحويل إلى موضع يريد أن يبيع فيه - الرفق بالناس ، ولذلك ورد النهي عن تلقي الركبان ؛ لأن فيه ضررا لغيرهم من حيث السعر ، فلذلك أمرهم بالنقل عند تلقي الركبان ليوسعوا على أهل الأسواق . قوله : ثم قال أي ثم قال نافع : وحدثنا عبد الله بن عمر ، وهذا داخل في الإسناد الأول .
قوله : حتى يستوفيه أي يقبضه . وفي رواية مسلم حتى يكتاله ، والقبض والاستيفاء سواء . والذي يستفاد من الحديث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الطعام إلا بعد القبض .
وهذا الباب فيه خلاف ؛ قال القاضي عياض في شرح مسلم : اختلف الناس في جواز بيع المشتريات قبل قبضها ، فمنعه الشافعي في كل شيء ، وانفرد عثمان التيمي فأجازه في كل شيء ، ومنعه أبو حنيفة في كل شيء ، إلا العقار وما لا ينقل ، ومنعه آخرون في سائر المكيلات والموزونات ، ومنعه مالك في سائر المكيلات والموزونات إذا كانت طعاما ، وقال ابن قدامة في المغني : ومن اشترى ما يحتاج إلى القبض لم يجز بيعه ، حتى يقبضه ، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافا ، إلا ما حكي عن عثمان التيمي أنه قال : لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه ، وقال ابن عبد البر : هذا قول مردود بالسنة ، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين ، ونحوه قول مالك وابن المنذر . انتهى . وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي في الجديد ومالك في رواية وأحمد في رواية وأبو ثور وداود : النهي الذي ورد في البيع قبل القبض قد وقع على الطعام وغيره ، وهو مذهب ابن عباس أيضا ، ولكنْ أبو حنيفة قال : لا بأس ببيع الدور والأرضين قبل القبض ؛ لأنها لا تنقل ولا تحول ، وقال الشافعي : هو في كل مبيع عقارا أو غيره ، وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن ، وهو مذهب جابر أيضا .