باب كراهية السخب في السوق
( باب كراهية السخب في السوق ) 75 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح قال : حدثنا هلال ، عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قلت : أخبرني عن صفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التوراة ، قال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا .
مطابقته للترجمة في قوله : " ولا سخاب في الأسواق " فالسخب مذموم في نفسه ، ولا سيما إذا كان في الأسواق ، وهي مجمع الناس من كل جنس ، ولا يسخب فيها إلا كل فاجر شرير ، ولو لم يكن السخب مذموما مكروها لما قال الله في التوراة في حق سيد الخلق : " ولا سخاب في الأسواق " ، ولا كان بسخاب في غير الأسواق . ورجاله كلهم تقدموا في أول كتاب العلم ، ومحمد بن سنان - بكسر السين المهملة وبالنون - أبو بكر العوفي ، وهو من أفراده . وفليح - بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة - ابن سليمان أبو يحيى الخزاعي ، وكان اسمه عبد الملك ، وفليح لقبه وغلب على اسمه .
وهلال - بكسر الهاء - ابن علي في الأصح ، ويقال : هلال بن أبي هلال الفهري المديني . وعطاء بن يسار - ضد اليمين - أبو محمد الهلالي ، وليس لهلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو في الصحيح - غير هذا الحديث . ( ذكر معناه ) : قوله : " قال : أخبرني عن صفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التوراة " .
( فإن قلت ) : هل قرأ عبد الله بن عمرو التوراة حتى سأل عنه عطاء بن يسار عن صفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها ؟ ( قلت ) : نعم ، كما روى البزار من حديث ابن لهيعة عن ج١١ / ص٢٤٣وهب عنه أنه رأى في المنام كأن في إحدى يديه عسلا وفي الأخرى سمنا ، وكأنه يلعقهما ، فأصبح ، فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال : تقرأ الكتابين التوراة والقرآن ، فكان يقرؤهما . قوله : " قال : أجل " بفتح الهمزة والجيم وباللام من حروف الإيحاب ، جواب مثل نعم ، فيكون تصديقا للمخبر وإعلاما للمستخبر ووعدا للطالب ، ومن يجيب عن قول الكرماني شرطه أن يكون تصديقا للمخبر ، وهنا ليس كذلك . قوله : " والله ، إنه لموصوف " أكد كلامه بالمؤكدات ، وهي الحلف بالله وبالجملة الاسمية وبدخول إن عليها وبدخول لام التأكيد على الخبر .
قوله : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا " هذا كله في القرآن في سورة الأحزاب ، وتمام الآية : وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا قوله : " شَاهِدًا " أي لأمتك المؤمنين بتصديقهم ، وعلى الكافرين بتكذيبهم ، أي مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم ، كما يقبل قول شاهد العدل في الحكم . ( فإن قلت ) : انتصاب " شاهدا " بماذا ؟ ( قلت ) : على الحال المقدرة ، كما في قولك : مررت برجل معه صقر صائدا غدا ، أي مقدرا به الصيد غدا . قوله : " وَمُبَشِّرًا " أي للمؤمنين " نذيرا " للكافرين " وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ " أي إلى توحيده .
قوله : " بِإِذْنِهِ " أي بأمره لك بالدعاء ، وقيل : بإذنه بتوفيقه " وَسِرَاجًا " جلى به الله ظلمات الكفر ، فاهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به ، وصفه بالإنارة ؛ لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه ، أي زيته ، ودقت فتيلته . قوله : " وحرزا " بكسر الحاء المهملة أي حافظا ، والحرز في الأصل الموضع الحصين ، فاستعير لغيره ، وسمي التعويذ أيضا حرزا ، والمعنى حافظا لدين الأميين ، يقال : حرزت الشيء أحرزه حرزا إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ ، والأميون العرب ؛ لأن الكتابة كانت عندهم قليلة . قوله : " سميتك المتوكل " يعني لقناعته باليسير من الرزق واعتماده على الله تعالى في الرزق والنصر ، والصبر على انتظار الفرج ، والأخذ بمحاسن الأخلاق ، واليقين بتمام وعد الله ، فتوكل عليه ، فسمي المتوكل .
قوله : " ليس بفظ " أي سيئ الخلق ، " ولا غليظ " أي شديد في القول ، وقول القائل لعمر رضي الله تعالى عنه : أنت أفظ وأغلظ من رسول .. . قيل : لم يأت أفعل هنا للمفاضلة بينه وبين من أشرك معه ، بل بمعنى أنت فظ غليظ على الجملة لا على التفصيل . وهاهنا التفات ؛ لأن القياس يقتضي الخطاب بأن يقال : ولست ، ولكن التفت من الخطاب إلى الغيبة .
قوله : " ولا سخاب " على وزن فعال بالتشديد من السخب ، وفي ( التلويح ) : وفيه ذم الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذه الصفة المذمومة من الصخب واللغط ، والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه ، والأيمان الحانثة ؛ ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " شر البقاع الأسواق " لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة . انتهى . ( قلت ) : ليس فيه الذم ، إلا لأهل السوق الموصوفين بهذه الصفات ، وليس فيه الذم لنفس الأسواق ظاهرا ، وقد مر الكلام فيه عن قريب .
قوله : " ولا يدفع بالسيئة السيئة " أي لا يسيء إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك حرمة الله تعالى ، لكن يأخذ بالفضل . قوله : " حتى يقيم به " أي حتى ينقى به الشرك ويثبت التوحيد . قوله : " الملة العوجاء " هي ملة العرب ، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام ، وتغييرهم ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن استقامتها ، وإمالتهم بعد قوامها ، والمراد من إقامتها إخراجها من الكفر إلى الإيمان .
قوله : " أعينا عميا " الأعين جمع عين ، والعمي بضم العين جمع عمياء ، قال ابن التين : كذا للأصيلي ، يعني جعل عميا صفة للأعين ، وفي بعض روايات الشيخ أبي الحسن " أعين عمي " بالإضافة ، و " عمي " على هذه الرواية جمع أعمى . قوله : " وآذانا صما " كذلك بالروايتين ، إحداهما يكون الصم جمع صماء صفة للآذان ، والأخرى يكون " وآذان صم " بالإضافة ، فعلى هذه يكون الصم جمع أصم . قوله : " وقلوبا غلفا " وقع في رواية النسفي والمستملي : والغلف بضم الغين المعجمة جمع أغلف ، سواء كان مضافا أو غير مضاف ، وترك الإضافة فيه بين ، والآن يجيء تفسيره .
تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال . وقال سعيد : عن هلال ، عن عطاء ، عن ابن سلام .
غلف كل شيء في غلاف ، وسيف أغلف ، وقوس غلفاء ، ورجل أغلف إذا لم يكن مختونا ، قاله أبو عبد الله .