باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة
حدثنا علي قال : حدثنا سفيان قال : كان عمرو بن دينار يحدثه عن الزهري ، عن مالك بن أوس أنه قال : من عنده صرف ؟ فقال طلحة : أنا حتى يجيء خازننا من الغابة ، قال سفيان : هو الذي حفظناه من الزهري ليس فيه زيادة ، فقال : أخبرني مالك بن أوس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه اشتراط القبض ؛ لما فيه من الربويات ، وفي الترجمة ما يشعر باشتراط القبض في الطعام ، وزعم ابن بطال أنه لا مطابقته بين الحديث والترجمة هنا ؛ فلذلك أدخله في باب بيع ما ليس عندك ، وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري . وعلي هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، ومالك بن أوس - بفتح الهمزة وسكون الواو وفي آخره سين مهملة - ابن الحدثان - بفتح المهملتين وبالمثلثة - التابعي عند الجمهور ، قال البخاري : قال بعضهم : له صحبة ، ولا يصح ، وقال بعضهم : ركب بخيل في الجاهلية .
وقيل : إنه رأى أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، وروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرسلا . والحديث أخرجه البخاري أيضا ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن الزهري . وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن قتيبة ومحمد بن رمح .
وعن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وزهير بن حرب . وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك به . وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة به .
وأخرجه النسائي فيه ، عن إسحاق بن إبراهيم به . وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن محمد بن رمح به . وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد وهشام بن عمار ونصر بن علي ومحمد بن الصباح ، خمستهم عن سفيان ، عن الزهري به .
( ذكر معناه ) : قوله : من عنده صرف أي من عنده دراهم حتى يعوضها بالدنانير ؛ لأن الصرف بيع أحد النقدين بالآخر . قوله : فقال طلحة هو ابن عبد الله أحد العشرة المبشرة أنا أعطيك الدراهم ، لكن اصبر حتى يجيء الخازن من الغابة والغابة بالغين المعجمة والباء الموحدة في الأصل الأجمة ذات الشجر المتكاثف ، سميت بها ؛ لأنها تغيب ما فيها ، وجمعها غابات ، ولكن المراد بها هنا غابة المدينة ، وهي موضع قريب منها من عواليها ، وبها أموال أهل المدينة ، وهي المذكورة في عمل منبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قوله : قال سفيان هو ابن عيينة قال بالإسناد المذكور .
قوله : هو الذي حفظناه عن الزهري أي الذي كان عمرو يحدثه عن الزهري هو الذي حفظناه عن الزهري بلا زيادة فيه ، قال الكرماني : وغرضه منه تصديق عمرو . وقال بعضهم : أبعد الكرماني في قوله هذا . ( قلت ) : ما أبعد فيه ، بل غرضه هذا ، وشيء آخر ، وهو الإشارة إلى أنه حفظه من الزهري بالسماع .
قوله : فقال : أخبرني أي قال الزهري أخبرني مالك بن أوس . قوله : يخبر جملة حالية . قوله : الذهب بالذهب ويروى الذهب بالورق بكسر الراء ، وهو رواية أكثر أصحاب ابن عيينة ، عن الزهري ، وهي رواية أكثر أصحاب الزهري ، ثم معنى قوله : الذهب بالذهب أي بيع الذهب بالذهب ربا ، إلا أن يقول كل واحد من المتصارفين لصاحبه : هاء ، يعني خذ أو هات ، فإذا قال أحدهما ، خذ : يقول الآخر : هات ، والمراد أنهما يتقابضان في المجلس قبل التفرق منه ، وأن يكون العوضان متماثلين متساويين في الوزن ، كما في حديث أبي بكرة سيأتي نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ، إلا سواء بسواء .
ثم الكلام في الذهب هل مذكر أم مؤنث ، فقال في ( المنتهى ) : ربما أنث في اللغة الحجازية ، والقطعة منه ذهبة ، ويجمع على أذهاب وذهوب ، وفي ( تهذيب الأزهري ) لا يجوز تأنيثه ، إلا أن يجعل جمعا لذهبة ، وفي ( الموعب ، عن صاحب ( العين ) الذهب التبر ، والقطعة منه ذهبة يذكر ويؤنث . وعن ابن الأنباري : الذهب أنثى وربما ذكر . وعن الفراء : وجمعه ذهبان ، وأما قوله : هاء وهاء فقال صاحب ( العين ) : هو حرف يستعمل في المناولة ، تقول : هاء وهاك ، وإذا لم تجئ بالكاف مددت ، فكأن المدة في هاء خلف من كاف المخاطبة ، فتقول للرجل : هاء ، وللمرأة : هائي ، وللاثنين : هاؤما ، وللرجال : هاؤموا ، وللنساء : هاؤن ، وفي ( المنتهى ) تقول هاء يا رجل بهمزة ساكنة ، مثال : هع أي خذ ، وفي ( الجامع ) : فيه لغتان : بألف ساكنة وهمزة مفتوحة ، وهو اسم الفعل ، ولغة أخرى : ها يا رجل ، كأنه من هاي يهاي ، فحذفت الياء للجزم ، ومنهم من يجعله بمنزلة الصوت : ها يا رجل ، وها يا رجلان ، وها يا رجال ، وها يا امرأة ، وها يا امرأتان ، وها يا نسوة .
وفي ( شرح المشكاة ) : فيه لغتان المد ، والقصر ، والأول أفصح وأشهر ، وأصله هاك ، فأبدلت من الكاف معناه خذ ، فيقول صاحبه مثله ، والهمزة مفتوحة ، ويقال بالكسر ، ومعناه التقابض ، وقال المالكي : وحق ها أن لا يقع بعدها إلا ، كما لا يقع بعدها خذ ، وبعد أن وقع يجب تقدير قول قبله يكون به محكيا ، فكأنه قيل : ولا الذهب بالذهب إلا مقول عنده من المتبايعين : هاء وهاء ، وقال الطيبي : ومحله النصب على الظرفية ، والمستثنى منه مقدر ، يعني بيع الذهب بالذهب ربا في جميع الأزمنة ، إلا عند الحضور والتقابض . قوله : والبر بالبر أي وبيع البر بالبر ، وهكذا يقدر في البواقي . ( ذكر ما يستفاد منه ) : أجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأشياء الأربعة التي ذكرت في حديث عمر رضي الله عنه ، وشيئان آخران ، وهما الفضة والملح ، فهذه الأشياء الستة مجمع عليها ، واختلفوا فيما سواها ، فذهب أهل الظاهر ومسروق وطاوس والشعبي وقتادة وعثمان البتي فيما ذكره الماوردي - إلى أنه يتوقف التحريم عليها ، وقال سائر العلماء : بل يتعدى إلى ما في معناها .
فأما الذهب والفضة ، والعلة فيهما عند أبي حنيفة رضي الله عنه الوزن في جنس واحد ، فألحق بهما كل موزون . وعند الشافعي العلة فيهما جنس الأثمان . وأما الأربعة الباقية ففيها عشرة مذاهب : الأول : مذهب أهل الظاهر أنه لا ربا في غير الأجناس الستة .
الثاني : ذهب أبو بكر الأصم إلى أن العلة فيها كونها منتفعا بها ، فيحرم التفاضل في كل ما ينتفع به ، حكاه عنه القاضي حسين . الثالث : مذهب ابن سيرين وأبي بكر الأودي الشافعي أن العلة الجنسية ، فحرم كل شيء بيع بجنسه كالتراب بالتراب متفاضلا ، والثوب بالثوبين ، والشاة بالشاتين . الرابع : مذهب الحسن بن أبي الحسن أن العلة المنفعة في الجنس ، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ، ويحرم عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران .
الخامس : مذهب سعيد بن جبير أن العلة تفاوت المنفعة في الجنس ، فيحرم التفاضل في الحنطة بالشعير لتفاوت منافعهما ، وكذلك الباقلاء بالحمص ، والدخن بالذرة . السادس : مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنسا تجب فيه الزكاة ، ويحرم الربا في جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرهما ، ونفاه عما لا زكاة فيه . السابع : مذهب مالك كونه مقتاتا مدخرا ، فحرم الربا في كل ما كان قوتا مدخرا ، ونفاه عما ليس بقوت كالفواكه ، وعما هو قوت لا يدخر كاللحم .
الثامن : مذهب أبي حنيفة أن العلة الكيل مع جنس ، أو الوزن مع جنس ، فحرم الربا في كل مكيل ، وإن لم يؤكل كالجص والنورة والأشنان ، ونفاه عما لا يكال ولا يوزن ، وإن كان مأكولا كالسفرجل والرمان . التاسع : مذهب سعيد بن المسيب ، وهو قول الشافعي في القديم : أن العلة كونه مطعوما يكال أو يوزن ، فحرمه في كل مطعوم يكال أو يوزن ، ونفاه عما سواه ، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب ، أو يؤكل ولا يوزن كالسفرجل والبطيخ . العاشر : أن العلة كونه مطعوما فقط ، سواء كان مكيلا أو موزونا أم لا ، ولا ربا فيما سوى المطعوم غير الذهب والفضة ، وهو مذهب الشافعي في الجديد .
وفي ( شرح المهذب ) : وهو مذهب أحمد وابن المنذر . قلت : مذهب مالك في الموطأ أن العلة هي الادخار للأكل غالبا ، وإليه ذهب ابن نافع ، وفي التمهيد : قال مالك : فلا تجوز في الفواكه التي تيبس وتدخر ، إلا مثلا بمثل يدا بيد إذا كانت من صنف واحد ، ويجيء على ما روي عن مالك أن العلة الادخار للاقتيات أن لا يجري الربا في الفواكه التي تيبس ؛ لأنها ليست بمقتات ، ولا يجري الربا في البيض ؛ لأنها وإن كانت مقتاتة فليست بمدخرة . وذكر صاحب ( الجواهر ) : ينقسم ما يطعم إلى ثلاثة أقسام : إحداها : ما اتفق على أنه طعام يجري فيه حكم الربا ، كالفواكه والخضر والبقول والزروع التي تؤكل غداء ، أو يعتصر منها ما يتغدى من الزيت ، كحب القرطم وزريعة الفجل الحمراء وما أشبه ذلك .
والثاني : ما اتفق على أنه ليس بغداء بل هو دواء ، وذلك كالصبر والزعفران والشاهترج وما يشبهها والثالث : ما اختلف فيه للاختلاف في أحواله وعادات الناس فيه ، فمنه الطلع والبلح الصغير ، ومنه التوابل كالفلفل والكزبرة ، وما في معناها من الكمونين والزاريانج والأنيسون ، ففي إلحاق كل واحد منها بالطعام قولان . ومنها الحلبة ، وفي إلحاقها بالطعام ثلاثة أقوال ؛ مفرق في الثالث ، فيلحق به الخضراء دون اليابسة . ومنها الماء العذب ، قيل بإلحاقه بالطعام لما كان مما يتطعم ، وبه قوام الأجسام .
وقيل : يمنع إلحاقه ؛ لأنه مشروب ، وليس بمطعوم . وأما العلة في تحريم الربا في النقدين الثمنية . وهل المعتبر في ذلك كونهما ثمنين في كل الأمصار أو جلها ؟ وفي كل الأعصار ، فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة عليها ؟ أو المعتبر مطلق الثمنية ، فتكون متعدية إلى غيرهما ؟ في ذلك خلاف ، يبنى عليه الخلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق ، وفي ( الروضة ) : والمراد بالمطعوم ما يعد للطعم غالبا ، تقوتا أو تأدما أو تفكها أو غيرها ، فيدخل فيه الفواكه والحبوب والبقول والتوابل وغيرها ، وسواء ما أكل نادرا كالبلوط والطرثوب ، وما أكل غالبا ، وما أكل وحده أو مع غيره .
ويجري الربا في الزعفران على الأصح ، وسواء أكل للتداوي كالاهليلج والبليلج والسقمونيا وغيرها ، وما أكل لغرض آخر ، وفي ( التتمة ) : وجه أن ما يقتات كثيره ويستعمل قليله في الأدوية كالسقمونيا لا ربا فيه ، وهو ضعيف ، والطين الخراساني ليس ربويا على الأصح ، ودهن الكتان والسمك وحب الكتان وماء الورد والعود ليس ربويا على الأصح ، والزنجبيل والمصطكى ربوي على الأصح ، والماء إذا صححنا بيعه ربوي على الأصح ، ولا ربا في الحيوان لكن ما يباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجه لا يجري فيه الربا في الأصح ، وأما الذهب والفضة فقيل : يثبت فيهما الربا لعينهما لا لعلة ، وقال الجمهور : العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة ، وإن شئت قلت : جوهرية الأثمان غالبا ، والعبارتان تشملان التبر والمضروب والحلي والأواني منهما ، وفي تعدي الحكم إلى الفلوس إذا أراجت وجه ، والصحيح أنها لا ربا فيها لانتفاء الثمنية الغالبة ، ولا يتعدى إلى غير الفلوس من الحديد والرصاص والنحاس وغيرها قطعا . انتهى .