باب بيع المزايدة
حدثنا بشر بن محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا الحسين المكتب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر ، فاحتاج ، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه . مطابقته للترجمة ، تؤخذ من قوله : من يشتريه مني فعرضه للزيادة ليستقصي فيه للمفلس الذي باعه عليه ، وبهذا يرد على الإسماعيلي في قوله : ليس في قصة المدبر بيع المزايدة ، فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمنا ، ثم يعطي به غيره زيادة عليها . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة .
الأول : بشر بكسر الباء الموحدة ابن محمد أبو محمد . الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : الحسين بن ذكوان المعلم المكتب بلفظ اسم الفاعل من التكتيب ، وقال الكرماني : من الإكتاب ، وليس كذلك .
الرابع : عطاء . الخامس : جابر بن عبد الله . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده وأنه وعبد الله مروزيان وأن الحسين بصري وعطاء مكي .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الاستقراض ، عن مسدد ، وأخرجه مسلم من طرق كثيرة وأخرج من حديث عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه قال عمرو : سمعت جابر بن عبد الله يقول : عبدا قبطيا مات عام أول ، وفي لفظ له : في إمارة ابن الزبير ، وأخرجه أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء وإسماعيل بن أبي خالد ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله : أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر منه ولم يكن له مال غيره ، فأمر به رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فبيع بسبعمائة أو تسعمائة ، وفي لفظ له : قال : يعني النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : أنت أحق بثمنه والله أغنى عنه وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن دينار ، عن جابر : أن رجلا من الأنصار دبر غلاما له فمات ولم يترك مالا غيره ، فباعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتراه نعيم بن النحام ، الحديث ، وأخرجه النسائي من طرق كثيرة ، فمن طريق أبي الزبير ، عن جابر أن رجلا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلاما له عن دبر يقال له يعقوب لم يكن له مال غيره ، فدعا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : من يشتريه ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه ، وأخرجه ابن ماجه من حديث عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله قال : دبر رجل منا غلاما ولم يكن له مال غيره ، فباعه النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فاشتراه ابن النحام رجل من بني عدي . ( ذكر معناه ) قوله : أن رجلا هذا الرجل من الأنصار كما قال في رواية لمسلم أعتق رجل من بني عذرة يقال له أبو مذكور وكذا وقع بكنيته عند مسلم وأبي داود والنسائي ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة في باب الكنى : أبو مذكور الصحابي أعتق غلاما له عن دبر . قوله : غلاما له واسمه يعقوب كما ذكرناه عن النسائي الآن ، وكذا ذكره في رواية لمسلم وأبي داود .
قوله : عن دبر بأن قال : أنت حر بعد موتي . قوله : نعيم بن عبد الله نعيم بضم النون تصغير النعم ابن عبد الله النحام بفتح النون وتشديد الحاء المهملة العدوي القرشي ، ووصف بالنحام لأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : دخلت الجنة فسمعت نحمة نعيم فيها والنحمة السعلة ، أسلم قديما وأقام بمكة إلى قبيل الفتح ، وكان يمنعه قومه من الهجرة لشرفه فيهم لأنه كان ينفق عليهم فقالوا : أقم عندنا على أي دين شئت ، ولما قدم المدينة اعتنقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبله ، واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة ، وقيل : استشهد يوم أجنادين في خلافة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - سنة ثلاث عشرة ، وعرفت مما ذكرناه أن النحام صفة لنعيم ، ووقع للبخاري في باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل عقيب باب الاستقراض : فابتاعه منه نعيم بن النحام ، وكذا في رواية الترمذي : فاشتراه نعيم بن النحام ، وكذا وقع في مسند أحمد ، والصواب نعيم بن عبد الله كما وقع هاهنا ، وفي رواية مسلم وزيادة ابن خطأ من بعض الرواة ، فإن النحام صفة لنعيم لا لأبيه كما ذكرنا ، وفي رواية الترمذي : فمات ولم يترك مالا غيره وهذا مما نسب به سفيان بن عيينة إلى الخطأ ، أعني قوله : فمات ولم يكن سيده مات ، كما هو مصرح به في الأحاديث الصحيحة ، وقد بين الشافعي خطأ ابن عيينة فيها بعد أن رواه عنه ، وقال البيهقي من طريق شريك ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء وأبي الزبير ، عن جابر : أن رجلا مات وترك مدبرا ودينا ، ثم قال البيهقي : وقد أجمعوا على خطأ شريك في ذلك ، وقال شيخنا : وقد رواه الأوزاعي وحسين المعلم وعبد المجيد بن سهيل ، كلهم عن عطاء ، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة ، بل صرحوا بخلافها . قوله : بكذا ، وكذا وقد بينه مسلم في روايته بثمانمائة درهم وفي رواية أبي داود : بسبعمائة أو تسعمائة .
قوله : فدفعه إليه أي : فدفع النبي - صلى الله عليه وسلم - الثمن الذي بيع به المدبر المذكور إليه ، أي : إلى الرجل المذكور ، وهو نعيم بن عبد الله . ( ذكر ما يستفاد منه ) ولما روى الترمذي حديث جابر قال : والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ، لم يروا ببيع المدبر بأسا ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وكره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بيع المدبر ، وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي ، وفي التلويح : اختلف العلماء هل المدبر يباع أم لا ؟ فذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس للسيد أن يبيع مدبره ، وأجازه الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأهل الظاهر ، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن وطاوس ، وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزهري والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى والليث بن سعد ، وعن الأوزاعي : لا يباع إلا من رجل يريد عتقه ، وجوز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين ، وعن مالك يجوز بيعه عند الموت ، ولا يجوز في حال الحياة ، وكذا ذكره ابن الجوزي عنه ، وحكى مالك إجماع أهل المدينة على بيع المدبر أو هبته . وعند أئمتنا الحنفية المدبر على نوعين : مدبر مطلق نحو ما إذا قال لعبده : إذا مت فأنت حر أو أنت حر يوم أموت أو أنت حر عن دبر مني أو أنت مدبر أو دبرتك ، فحكم هذا أنه لا يباع ولا يوهب ، ويستخدم ويؤجر وتوطؤ المدبرة وتنكح ، وبموت المولى يعتق المدبر من ثلث ماله ويسعى في ثلثيه أي : ثلثي قيمته إن كان المولى فقيرا ولم يكن له مال غيره ، ويسعى في كل قيمته لو كان مديونا بدين مستغرق جميع ماله .
النوع الثاني : مدبر مقيد نحو قوله : إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حر أو قال : إن مت إلى عشر سنين أو بعد موت فلان ، ويعتق إن وجد الشرط ، وإلا فيجوز بيعه . واحتجوا في عدم جواز بيع المدبر المطلق بما رواه الدارقطني من رواية عبيدة بن حسان - رضي الله تعالى عنهما - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : المدبر لا يباع ، ولا يوهب ، وهو حر من الثلث ( فإن قلت ) : قال الدارقطني : لم يسنده غير عبيدة بن حسان ، وهو ضعيف ، وإنما هو عن ابن عمر من قوله . وروى الدارقطني أيضا عن علي بن ظبيان حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا ، وغير ابن ظبيان يرويه موقوفا ، وعلي بن ظبيان ضعيف ( قلت ) : احتج بهذا الحديث الكرخي والطحاوي والرازي وغيرهم وهم أساطين في الحديث .
وقال أبو الوليد الباجي : إن عمر - رضي الله تعالى عنه - رد بيع المدبرة في ملأ خير القرون وهم حضور متوافرون ، وهو إجماع منهم أن بيع المدبر لا يجوز . والجواب عن حديث جابر من وجوه . الأول : قال ابن بطال : لا حجة فيه ؛ لأن في الحديث أن سيده كان عليه دين ، فثبت أن بيعه كان لذلك .
الثاني : أنها قضية عين تحتمل التأويل ، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه . الثالث : أنه يحتمل أنه باع منفعته بأن أجره ، والإجارة تسمى بيعا بلغة أهل اليمن ؛ لأن فيها بيع المنفعة ، ويؤيده ما ذكره ابن حزم فقال : وروي عن أبي جعفر محمد بن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا أنه باع خدمة المدبر ، وقال ابن سيرين : لا بأس ببيع خدمة المدبر ، وكذا قاله ابن المسيب ، وذكر أبو الوليد عن جابر أنه – عليه الصلاة والسلام - باع خدمة المدبر . الرابع : أن سيد المدبر الذي باعه النبي - صلى الله عليه وسلم - كان سفيها ، فلهذا تولى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بيعه بنفسه ، وبيع المدبر عند من يجوزه لا يفتقر فيه إلى بيع الإمام .
الخامس : يحتمل أنه باعه في وقت كان يباع الحر المديون كما روي أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - باع حرا بدينه ، ثم نسخ بقوله تعالى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ